السبت, أبريل 4, 2026
رئيس مجلس الإدارة د/احمد فزارة
رئيس التحرير أحمد دياب
الرئيسيةمقالاتالأنقى ... عام على الرحيل ... وأختى لا...

الأنقى … عام على الرحيل … وأختى لا تغيب

بقلم احمد دياب

وجع لا يهدأ وحسرة لا تموت لا أعرف من أين أبدأ، ولا كيف أكتب. القلم جفّ حبره من شدّة الحزن، والكلمات تتلعثم بين السطور، تخشى أن تُعيد الوجع أو تُثير ما تبقّى من صبرٍ في قلبي عامٌ كامل مرّ، لكنني ما زلت أقف في نفس المكان، كأن الرحيل حدث البارحة.

مرّت سنة كاملة منذ رحيل أختي الغالية هايدي، سنة أثقل من كل الأعوام، وأقسى من كل الأيام، كأن الزمن توقف عند لحظة الفقد الأولى، لا يتحرك إلا على وقع الحنين والدموع.
٣٦٥ يومًا مرّت… لكنها لم تكن سنة عادية، بل بدت كعمرٍ كامل، ٣٦٥ سنة أو أكثر، بل تتعدى القرن من الحزن والانتظار والحنين.

كانت أيامنا قبلها هادئة، يسكنها الرضا ودفء العائلة. بيت صغير يجمعنا على المحبة، يملؤه صوت أمي وضحكات أبي، وهايدي كانت النور الذي لا يخبو، الضحكة التي تُبدّد التعب، والحضور الذي يمنح للبيت معنى الحياة.

اليوم الذي تغيّر فيه كل شيء

في الثاني عشر من نوفمبر عام 2024، تبدّل كل شيء كنت في مأمورية عمل خارج القاهرة، وبعد وصولي من المطار تحدثت مع هايدي، فأخبرتني أنها بخير، بصوتها الهادئ الذي يزرع الطمأنينة دائمًا. كانت تلك المكالمة الأخيرة ، بعد دقائق بعد وصولي إلى المنزل انقلب العالم. رن الهاتف مرارًا، ثم جاءت المكالمة التي لا تُنسى: كانت أختي مرفت بصوتٍ مضطرب تقول: “انزل يا أحمد تعالى… أختك تعبانة قوي! لم أدرِ أن تلك الكلمات كانت وداعًا لم أعلم أن الرحيل سبقني بخطوات، وأن هايدي قد فارقت الحياة قبل أن أصل.

بعدها بدقيقة اتصل بي أخي الاصغر قائلاً “أنا مروح في الطريق… ربنا يعوض علينا، حبيبتنا وقرة عيننا اختك هايدى توفيت… هتلاقي زميلي منتظرك في المحطة.”

الرحلة والسكينة المزيفة.

في تلك اللحظات كان زميل أخي قد حجز لي التذكرة، وكان على تواصل دائم معي طوال الرحلة، يحاول تهدئتي وتخفيف الصدمة بكلمات المواساة والدعاء كنت أشعر أن شيئًا يخفيه عني، وأنهم جميعًا يحاولون إبعادي عن الحقيقة حتى أتمالك نفسي كلما سألت أبى : “هي بخير؟” كان يجيب بصوتٍ خافت: “كل حاجة هتبقى كويسة يا أحمد.” لكن قلبي كان يعلم أن شيئًا ما انكسر.
رحلت هايدي بسرعة لم نتوقعها، كأنها كانت على موعد مع السماء، لم تمهلنا وداعًا ولا تفسيرًا، فقط تركت وراءها فراغًا لا يُملأ، وذكريات تشتعل كلما حاولنا إخمادها.

في القطار كان الليل طويلًا، والحزن يسبقني في كل محطة كنت أتمتم بالدعاء، وأتمنى لو تنفصل العربة عن القطار لأتوقف في منتصف الطريق… كنت أخاف الوصول، أخاف المشهد، أخاف وداعًا لا عودة بعده لقرة عينى

وصلت محطة طهطا في الرابعة فجرًا. الطريق إلى البيت كان أطول من أي سفر عندما فتحت الباب، وجدت الحزن يملأ المكان أبي وأمي وإخوتي يغمرهم الصمت والذهول أرتميت على وجهها الطاهر أقبّله وأبكي مرددا اللهم أجرنا فى مصيبتنا واخلف لنا خيرا منها …وانا لله وانا اليه راجعون.

زهرة البيت

كانت هايدي أصغرنا، ابنة العائلة المدللة، زهرة البيت وبسمة أمي وأبي ولدت في أول يناير 2000، وكان ميلادها فرحة العمر كبرت بين قلوبنا بحب وحنان، اختار لها والدي طريق الأزهر الشريف لتكون من حملة كتاب الله، فحفظته وأتقنته وأحبت فقهه وسنّة رسوله ﷺ.
واصلت دراستها حتى التحقت بكلية الشريعة والقانون بجامعة الأزهر فرع أسيوط، وتخرجت بتقدير جيد جدًا، ثم التحقت بدورات متعددة لتطوير نفسها وسجلت للماجستير.
عملت في البنك الأهلي، وكانت رغم مسؤولياتها الكثيرة لا تغيب ابتسامتها عن وجهها، ولا يذبل صوتها الدافئ الذي يملأ البيت حياة.
وفي فبراير 2024، تزوجت لتبدأ فصلًا جديدًا من حياتها لم يكتمل.

الرحيل المفاجئ 

بعد شهور قليلة، ألمّ بها المرض فجأة زارت أطباء كُثر دون جدوى وفي آخر أيامها، انقطعت عن الطعام والشراب، وعندما كنا نرجوها أن تأكل، كانت تقول بابتسامتها الهادئة انا مش جعانة والله لسه واكلة .

كانت تُخفي ألمها عنّا، وكأنها تودّعنا بصمتٍ ورضا حتى آخر مكالمة بيننا، قالت لي: انا كويسة خلى بالك من نفسك واولادك لم أعلم أنها الوداع الأخير.

مرّ عام كامل على رحيلها، لكن الأيام لم تمضِ حقًا كل يوم يمر كأنه اليوم الأول، وكل دقيقة تذكّرنا بها بضحكتها، بنورها، بصوتها وهي تنادينا رحلت هايدي، وبقيت ذكراها تملأ البيت، كأنها معنا في كل ركن، في كل صورة، في كل لحظة سكون.

٣٦٥ يومًا مرت، لكنها لم تكن مجرد سنة عادية، بل شعرت وكأنها ٣٦٥ سنة أو أكثر، بل تجاوزت القرن كله من الحزن والحنين والاشتياق.

أصبحنا بعدك يا هايدي بلا طعم للحياة نتحدث عنك كل يوم نضحك حينًا بذكرياتك، ونبكي حين يغلبنا الحنين كنتِ أختًا حنونة، صديقة مخلصة، وملاذًا لكل واحد فينا كنتى صاحبة رأي حكيم، وعقل راجح، وروح مؤمنة لا تعرف إلا الخير.

كنتِ صوّامة قوّامة، محافظة على صلاتك وقرآنك، محبوبة من الجميع رحيلك المفاجئ علّمنا معنى الألم الحقيقي، لكننا لا نعترض على قدر الله نسأل الله أن يتقبلك برحمته، ويجعل قبرك روضة من رياض الجنة، ويجمعنا بك في دار البقاء. ستظلين يا هايدى فى قلوبنا ما حيينا وسنظل نذكرك بالدعاء والرحمة،
لأنك لم تكوني مجرد أخت… كنتِ الحياة كلها.

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

احدث التعليقات

الأكثر قراءة