الثلاثاء, يونيو 2, 2026
رئيس مجلس الإدارة د/احمد فزارة
رئيس التحرير أحمد دياب
الرئيسيةمقالات70 عامًا على العلاقات المصرية الصينية ... من باندونج إلى الشراكة الاستراتيجية...

70 عامًا على العلاقات المصرية الصينية … من باندونج إلى الشراكة الاستراتيجية الشاملة

 

 

تمر اليوم سبعون عامًا على إقامة العلاقات المصرية الصينية، وهي مناسبة تتجاوز حدود الاحتفاء الدبلوماسي التقليدي، لتشكل فرصة للتأمل في واحدة من أقدم وأهم العلاقات بين دولتين من دول الجنوب العالمي، نجحتا على مدار سبعة عقود في بناء نموذج للتعاون السياسي والاقتصادي يقوم على الاحترام المتبادل وتوازن المصالح والرؤية المشتركة تجاه العديد من القضايا الدولية.

لم تكن بداية هذه العلاقة في منتصف خمسينيات القرن الماضي مجرد خطوة دبلوماسية عابرة، بل جاءت في سياق تاريخي شهد تحولات عميقة في النظام الدولي، حيث كانت شعوب آسيا وإفريقيا تخوض معارك التحرر الوطني وتسعى إلى بناء استقلالها السياسي والاقتصادي بعيدًا عن الاستقطاب الحاد بين الشرق والغرب.

وفي هذا الإطار، مثل مؤتمر باندونج عام 1955 محطة فارقة في تاريخ العلاقات الدولية، حيث جمع قادة الدول الآسيوية والإفريقية الساعين إلى صياغة رؤية مستقلة للعالم. وهناك التقت الرؤى بين الرئيس المصري جمال عبد الناصر ورئيس مجلس الدولة الصيني تشو إن لاي، في لحظة تاريخية أسست لعلاقة تجاوزت الاعتبارات الدبلوماسية التقليدية نحو شراكة قائمة على دعم الاستقلال الوطني واحترام السيادة وعدم التدخل في الشؤون الداخلية.

وتكشف إحدى الوقائع الدالة في تلك المرحلة عن حجم الاهتمام الصيني المبكر بمصر، عندما حرص تشو إن لاي على استقبال الرئيس جمال عبد الناصر خلال فعاليات مؤتمر باندونج، في رسالة سياسية عكست إدراك بكين للدور المحوري الذي كانت تلعبه القاهرة في العالمين العربي والإفريقي.

وفي السنوات التالية، أصبحت مصر أول دولة عربية وإفريقية تقيم علاقات دبلوماسية كاملة مع جمهورية الصين الشعبية، في خطوة عكست استقلالية القرار السياسي المصري ورؤية القاهرة لأهمية الانفتاح على القوى الصاعدة في النظام الدولي.

وجاء قرار تأميم قناة السويس عام 1956 ليؤكد توجه مصر نحو ترسيخ سيادتها الوطنية واستقلال قرارها السياسي، وهو ما وجد صدى إيجابيًا لدى الصين التي كانت بدورها تخوض مسارًا خاصًا لتعزيز مكانتها الدولية وتثبيت حضورها على الساحة العالمية.

وعلى مدار العقود التالية، تطورت العلاقات المصرية الصينية بصورة متدرجة، مستفيدة من الثقة السياسية المتبادلة بين البلدين، ومن توافق الرؤى بشأن العديد من القضايا الدولية والتنموية. كما شهدت الصين تحولًا اقتصاديًا هائلًا بفضل سياسات الإصلاح والانفتاح التي نقلتها إلى مصاف القوى الاقتصادية الكبرى، بينما واصلت مصر العمل على تطوير بنيتها الاقتصادية وتعزيز دورها الإقليمي والدولي.

ومع تولي الرئيس عبد الفتاح السيسي قيادة الدولة المصرية، والرئيس شي جين بينغ قيادة الصين، دخلت العلاقات بين القاهرة وبكين مرحلة جديدة اتسمت بقدر أكبر من العمق والتنوع، حيث تم الارتقاء بالعلاقات إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية الشاملة، وأصبحت الزيارات المتبادلة بين القيادتين تمثل محطات مهمة في تعزيز التعاون السياسي والاقتصادي والاستثماري بين البلدين.

كما اكتسبت مصر أهمية متزايدة في إطار مبادرة الحزام والطريق التي أطلقها الرئيس شي جين بينغ، مستفيدة من موقعها الجغرافي الفريد الذي يربط بين آسيا وإفريقيا وأوروبا، ومن الأهمية الاستراتيجية لقناة السويس باعتبارها أحد أهم الممرات التجارية في العالم.

وخلال السنوات الأخيرة، أصبحت المنطقة الاقتصادية لقناة السويس نموذجًا بارزًا للتعاون المصري الصيني، حيث شهدت تدفق استثمارات صينية متزايدة في مجالات الصناعة والتكنولوجيا والطاقة والبنية التحتية. كما شاركت الشركات الصينية في تنفيذ عدد من المشروعات القومية الكبرى، وفي مقدمتها منطقة الأعمال المركزية بالعاصمة الإدارية الجديدة، ومشروعات النقل الحديثة، إلى جانب التوسع في الصناعات التكنولوجية والطاقة النظيفة.

وتشير التقديرات إلى أن حجم الاستثمارات الصينية في مصر تجاوز 8 مليارات دولار، فيما تعمل آلاف الشركات الصينية داخل السوق المصرية، وهو ما يعكس الثقة المتزايدة في الاقتصاد المصري، ويؤكد المكانة التي باتت تحتلها مصر باعتبارها بوابة رئيسية للاستثمارات الصينية في إفريقيا والشرق الأوسط.

وفي ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها النظام الدولي، تكتسب العلاقات المصرية الصينية أهمية متزايدة، خاصة مع صعود مفهوم التعددية القطبية واتساع نطاق التعاون بين دول الجنوب العالمي. كما تبرز فرص جديدة للتعاون في مجالات التكنولوجيا المتقدمة والذكاء الاصطناعي والطاقة المتجددة والتصنيع والاقتصاد الأخضر، وهي مجالات تمثل أولوية في استراتيجيات التنمية لدى البلدين.

إن قراءة مسار العلاقات المصرية الصينية بعد سبعين عامًا تؤكد أن قوة هذه العلاقة لا تكمن فقط في تاريخها العريق، بل في قدرتها المستمرة على التطور والتجدد ومواكبة المتغيرات الدولية. فمن باندونج إلى مبادرة الحزام والطريق، ومن دعم حركات التحرر الوطني إلى بناء شراكات اقتصادية وتنموية متقدمة، نجحت القاهرة وبكين في صياغة نموذج لعلاقة متوازنة تقوم على المصالح المشتركة والاحترام المتبادل.

وبعد سبعة عقود من التعاون، تبدو العلاقات المصرية الصينية أكثر رسوخًا من أي وقت مضى، مدعومة بإرادة سياسية قوية لدى الرئيس عبد الفتاح السيسي والرئيس شي جين بينغ، ورؤية مشتركة تؤمن بأهمية التعاون بين دول الجنوب في بناء نظام دولي أكثر توازنًا وعدالة، وتحويل التاريخ المشترك إلى قاعدة صلبة لمستقبل أكثر ازدهارًا للشعبين الصديقين.

بقلم : احمد دياب

ahmed.diab7k@gmail.com

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

احدث التعليقات

الأكثر قراءة