الإثنين, أبريل 6, 2026
رئيس مجلس الإدارة د/احمد فزارة
رئيس التحرير أحمد دياب
الرئيسيةرياضةعالميةفيتنام كما يراها سفيرها بالقاهرة: من دولة أنهكتها الحروب إلى نموذج تنموي...

فيتنام كما يراها سفيرها بالقاهرة: من دولة أنهكتها الحروب إلى نموذج تنموي يصنع المستقبل

 

المؤتمر الوطني الرابع عشر يفتح صفحة جديدة في مسيرة صعود اقتصادي واجتماعي غير مسبوقة

احمد دياب 

في قاعة هادئة بمقر سفارة فيتنام بالقاهرة، لم يكن المؤتمر الصحفي الذي عقده السفير نجوين نام دونغ مجرد عرض أرقام أو استعراض إنجازات، بل بدا أقرب إلى سرد قصة وطن عرف معنى الصراع، وأتقن فن التحول، ونجح في إعادة تعريف نفسه داخل عالم شديد الاضطراب.

ثمانون عامًا تفصل بين فيتنام الأمس، الدولة الفقيرة الخارجة من ويلات الاستعمار والحروب، وفيتنام اليوم، الدولة الصاعدة التي تسير بخطى واثقة نحو مصاف الدول المتقدمة. هذه المسافة الزمنية لم تُقطع صدفة، بل كانت – كما يؤكد السفير – ثمرة قيادة سياسية واضحة الرؤية، تمثلت في الحزب الشيوعي الفيتنامي، منذ تأسيسه عام 1930 وحتى يومنا هذا.
حزب يقود دولة… ودولة تراكم خبرتها عبر المؤتمرات

منذ نشأته، لم يكن الحزب الشيوعي الفيتنامي مجرد إطار سياسي، بل تحول إلى عقل استراتيجي للدولة. ثلاثة عشر مؤتمرًا وطنيًا عُقدت على مدار عقود، لم تكن مناسبات بروتوكولية، وإنما محطات حاسمة لإعادة تقييم المسار وتعديل الاتجاه.
اليوم، يأتي المؤتمر الوطني الرابع عشر في لحظة فارقة، ليس فقط لأنه يستكمل ما بدأه المؤتمر الثالث عشر، بل لأنه يطرح سؤالًا أكبر:

كيف يمكن لفيتنام أن تنتقل من دولة نامية ناجحة إلى دولة متقدمة مكتملة الأركان؟

المؤتمر الرابع عشر… حين يصبح التخطيط للمستقبل ضرورة وطنية

بحسب السفير، لا يتعامل المؤتمر الرابع عشر مع التنمية بوصفها أرقام نمو فقط، بل كمنظومة متكاملة تشمل الاقتصاد، والإنسان، والمؤسسات، والسيادة، والدور الدولي.

المؤتمر لا يكتفي بتقييم السنوات الخمس الماضية، بل يرسم خريطة طريق حتى منتصف القرن الحادي والعشرين، واضعًا نصب عينيه هدفين واضحين:

فيتنام ذات صناعة حديثة ودخل متوسط مرتفع بحلول 2030

فيتنام دولة متقدمة ذات دخل مرتفع بحلول 2045

اقتصاد صمد أمام العواصف العالمية

في عالم شهد أزمات اقتصادية متلاحقة، من جائحة عالمية إلى اضطرابات في سلاسل الإمداد، نجحت فيتنام في الحفاظ على توازنها الاقتصادي.

الأرقام التي عرضها السفير لم تكن مجرد إحصاءات، بل دلائل على اقتصاد يعرف كيف يتكيف:
متوسط نمو سنوي بلغ 6.3% بين 2021 و2025

ناتج محلي إجمالي تجاوز 510 مليارات دولار

دخول فيتنام رسميًا نادي الدول ذات الدخل المتوسط المرتفع

هذا الأداء، كما أوضح السفير، لم يكن وليد الصدفة، بل نتاج سياسات حافظت على الاستقرار المالي، وسيطرت على التضخم، وحققت فوائض تجارية مستمرة.

من النمو إلى النوعية… اقتصاد يتغير من الداخل

اللافت في التجربة الفيتنامية أن النمو لم يكن كميًا فقط. فقد شهد الهيكل الاقتصادي تحولًا واضحًا نحو الصناعة والخدمات، مع تراجع الاعتماد على الأنماط التقليدية.

الاستثمار المكثف في البنية التحتية – من طرق وموانئ وطاقة وتكنولوجيا – لم يكن هدفًا في حد ذاته، بل أداة لتهيئة الاقتصاد لمرحلة أكثر تعقيدًا وتنافسية.

وفي قلب هذا التحول، برز القطاع الخاص لاعبًا رئيسيًا، بعدما وفرت له الدولة بيئة قانونية واستثمارية محفزة، سمحت بظهور مجموعات اقتصادية قادرة على المنافسة خارج الحدود.

الإنسان… الرهان الحقيقي للتنمية

ما يميز الخطاب الفيتنامي، كما عكسه السفير، هو أن التنمية لا تُقاس فقط بمعدل النمو، بل بمدى انعكاسها على حياة المواطن.

فيتنام اليوم تسجل:
مؤشر تنمية بشرية بلغ 0.766
قفزة لافتة في مؤشر السعادة العالمي
تراجعًا حادًا في معدلات الفقر إلى 1.3%
هذه النتائج لم تأتِ دون استثمار مباشر في التعليم والصحة والحماية الاجتماعية، وهي مجالات اعتبرها الحزب والدولة حجر الأساس لأي نهضة مستدامة.

تعليم حديث وصحة قادرة على المواجهة

شهد التعليم في فيتنام عملية إعادة بناء شاملة، ركزت على العلوم والتكنولوجيا والابتكار، وربط المخرجات التعليمية باحتياجات الاقتصاد الحديث.

في الوقت ذاته، تطور النظام الصحي بشكل لافت، مع توسيع مظلة التأمين الصحي لتشمل أكثر من 95% من السكان، وارتفاع متوسط العمر المتوقع إلى 74.8 عامًا، في مؤشر واضح على تحسن جودة الحياة.

طفرات استراتيجية… حين تتغير طريقة إدارة الدولة

أحد أبرز محاور المؤتمر الرابع عشر هو تحقيق ما وصفه السفير بـ “الطفرات الاستراتيجية”، والتي تشمل:
تحديث المؤسسات وتفويض الصلاحيات

تعزيز اللامركزية

الاستثمار في التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي
بناء موارد بشرية عالية الكفاءة
هذه الطفرات لا تستهدف فقط تحسين الأداء الحكومي، بل إعادة صياغة العلاقة بين الدولة والمجتمع.

فيتنام والعالم… سياسة خارجية بلا ضجيج

في عالم تتصارع فيه القوى الكبرى، اختارت فيتنام مسارًا مختلفًا: سياسة خارجية مستقلة، قائمة على السلام والتعاون، وتنويع الشراكات دون ارتهان.

هذا النهج، كما يؤكد السفير، أتاح لفيتنام الحفاظ على بيئة مستقرة للتنمية، وتعزيز حضورها الدولي دون الدخول في محاور أو صراعات.

دولة القانون… الخلاصة الكبرى للتجربة

في ختام حديثه، شدد السفير على أن ما تحقق لم يكن ممكنًا دون وحدة الصف، وانضباط الحزب، وبناء دولة قانون اشتراكية:
دولة الشعب، وبالشعب، ومن أجل الشعب.

فيتنام اليوم لا تقدم نفسها كنموذج مثالي، بل كتجربة واقعية تقول للعالم إن التخطيط طويل المدى، والاستثمار في الإنسان، والوضوح السياسي يمكن أن يصنعوا فرقًا حقيقيًا

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

احدث التعليقات

الأكثر قراءة