
أثارت حالة المعمرة الإسبانية ماريا برانياس موريرا (Maria Branyas)، التي رحلت عن عالمنا بعد أن عاشت 117 عاماً و168 يوماً، اهتماماً واسعاً في الأوساط العلمية. وبدلاً من أن تترك وراءها ذكريات فقط، قدمت للعلم هدية ثمينة عبر مشاركتها في تحليلات بيولوجية متعددة شملت الجينات، التمثيل الغذائي، والأنماط اللاجينية، والتي نُشرت نتائجها التفصيلية في دورية Cell Reports Medicine.
وفقاً للفريق العلمي التابع لمعهد “جوسيب كاريراس” لبحوث سرطان الدم في برلونة، كشفت نتائج التحاليل عن “ازدواجية مذهلة”؛ حيث جمع جسمها بين علامات الشيخوخة المتقدمة من جهة، ومؤشرات بيولوجية استثنائية تحافظ على وظائف الأعضاء وتقي من الأمراض من جهة أخرى 
أبرز الأسرار والنتائج البيولوجية لمعدة وجينات المعمرة:
1. العمر البيولوجي أصغر من العمر الزمني بـ 23 عاماً
باستخدام تقنية “الساعات اللاجينية” (Epigenetic Clocks) التي تقيس علامات الحمض النووي (DNA)، وجد الباحثون أن خلايا وأنسجة ماريا كانت تتصرف وتعمل وكأنها أصغر سناً بعقود. وأظهرت التحاليل أن عمرها البيولوجي كان أقل من عمرها الزمني بحوالي 20 إلى 23 عاماً.
2. لغز “التيلوميرات القصيرة جداً” للحماية من السرطان
من المعروف أن التيلوميرات (الأغطية الواقية لنهايات الكروموسومات) تقصر مع التقدم في السن وتعد مؤشراً على تدهور الخلايا. والغريب أن الباحثين وجدوا تيلوميراتها قصيرة للغاية، إلا أن العلماء رجحوا أن هذا القصر الشديد ربما شكل حماية استثنائية ضد السرطان من خلال الحد من قدرة الخلايا على الانقسام والتكاثر العشوائي.
3. ميكروبيوم الأمعاء وشغف “الزبادي”
أظهرت عينات الجهاز الهضمي أن أمعاء المعمرة احتفظت بتنوع بكتيري يشبه الأجسام الشابة والأطفال، مع وفرة فائقة من بكتيريا Bifidobacterium النافعة الداعمة للمناعة.
ويرتبط ذلك بنظامها الغذائي المتوسطي القائم على الخضراوات وزيت الزيتون، إضافة إلى عادتها اليومية المتمثلة في تناول الزبادي غني بالبكتيريا الحية (البروبيوتيك)، مما ساهم في تقليل الالتهابات المعوية والجسمية.
4. طفرات جينية نادرة وصحة القلب
كشف التسلسل الجيني الكامل لماريا عن امتلاكها تركيبة نادرة من المتغيرات الجينية الوقائية التي عززت كفاءة استقلاب الدهون (مستويات منخفضة من الدهون الثلاثية والكوليسترول الضار وارتفاع الكوليسترول النافع HDL). وعملت هذه الجينات كدرع حماية لوظائف القلب والدماغ والجهاز المناعي والميتوكوندريا (مولدات الطاقة في الخلايا).
5. انخفاض مؤشرات الالتهاب المزمن
يُعد الالتهاب الخفي والمزمن المسبب الرئيسي لأمراض الشيخوخة كالتصلب والسكري والزهايمر. وأظهرت عينات الدم لدى ماريا مستويات انخفاض قياسية في المؤشرات الالتهابية، مما سمح لجسدها بالعمل بكفاءة عالية وتجنب الأمراض المزمنة حتى سنواتها الأخيرة.
هل يمكن تعميم هذه النتائج؟
أكد الباحثون أن هذه الدراسة المتقدمة تفتح أفقاً جديداً لفهم “الشيخوخة الصحية” وكيفية فصل التقدم في العمر عن الإصابة بالأمراض. ورغم أن الجينات تلعب دوراً حاسماً لا يمكن التحكم به، إلا أن نمط الحياة الصحي — مثل اتباع نظام غذائي متوازن غني بالبروبيوتيك (كالزبادي)، والحد من التوتر، والنشاط الاجتماعي والبدني المستمر — يظل الأداة الأكثر فاعلية المتاحة للجميع لإطالة العمر الصحي.
