
تكشف صورة نادرة من رأس العين، التُقطت سراً قبل أكثر من مئة عام، جانباً من تاريخ الإبادة الأرمنية، من خلال توثيقها لمعسكر المبعدين الأرمن في رأس العين شمال سوريا خلال عامي 1915 و1916.
ووفق معهد متحف الإبادة الأرمنية، التُقطت الصورة سراً من الطابق الثاني لمبنى قريب من المعسكر، في ظل قيود كانت تفرضها السلطات العثمانية على تصوير قوافل الأرمن المرحّلين ومعسكرات تجميعهم.
وأصبحت رأس العين واحدة من المحطات الرئيسية في منظومة ترحيل الأرمن، ولم تكن مجرد محطة عبور، إذ وصل إليها مبعدون من سبسطية وديار بكر وخربرت، ثم من القسطنطينية وكيليكيا.
وبحسب شهادات جمعها معهد متحف الإبادة الأرمنية، كان ما بين 500 و600 شخص يموتون يومياً داخل ظروف المعسكر بسبب الجوع والبرد والأوبئة، بينما يقدر المعهد عدد الأرمن الذين قُتلوا في رأس العين ومحيطها بنحو 70 ألف شخص.
وشهد عام 1916 عمليات قتل واسعة في المنطقة، وتوثق المصادر التي أوردها معهد متحف الإبادة الأرمنية أوامر بإبادة عشرات الآلاف من الأرمن الموجودين في الخيام، أعقبتها عمليات ترحيل ومجازر استمرت في المنطقة.
ولم تكن رأس العين بمعزل عن منظومة الترحيل الأوسع، حيث دفعت عمليات الترحيل العثمانية الأرمن إلى مناطق صحراوية في سوريا والعراق الحالية، فيما مات مئات الآلاف خلال الطريق أو قبل الوصول إلى مراكز الاحتجاز، بسبب القتل والجوع والعطش والمرض والظروف المناخية القاسية.
ويشير متحف الهولوكوست الأمريكي إلى أن السلطات العثمانية نقلت الأرمن إلى معسكرات احتجاز في المناطق الصحراوية، وأن أعداداً كبيرة ماتت قبل الوصول إلى تلك المعسكرات.
وتضمنت شهادات شهود تلك المرحلة روايات بالغة القسوة، ومن بينهم سليمان نظيف، والي بغداد، الذي وصف إبادة الأرمن بأنها ستصبح من أكثر الصفحات سواداً في تاريخ تركيا، إلى جانب الدبلوماسي الأميركي ليزلي ديفيس الذي وثق الفظائع التي شاهدها في المنطقة. وتورد صفحة معهد متحف الإبادة الأرمنية شهادتيهما ضمن توثيق مأساة رأس العين.
**من الصورة القديمة إلى البحث الأكاديمي**
وبعد أكثر من قرن، تعود مواقع مثل رأس العين ودير الزور ومسكنة وغيرها من مواقع الترحيل والمعسكرات إلى دائرة البحث الأكاديمي من خلال مجلد جديد بعنوان:
*The Concentration Camps of the Armenian Genocide*
تحرير: Bedross Der Matossian & Edita Gzoyan
Bloomsbury Academic — 2026
ويضم المجلد 520 صفحة، ومن المقرر صدوره في 1 أكتوبر 2026، وتصفه Bloomsbury بأنه أول كتاب يقدم دراسة معمقة ومتعددة الأبعاد لمعسكرات الإبادة الأرمنية في سوريا الحالية.
ويتناول الكتاب دير الزور ورأس العين ومسكنة وغيرها بصورة مباشرة، إلى جانب نشأة منظومة المعسكرات وآليات عملها والظروف اليومية للمبعدين والعنف الذي تعرضوا له ومحاولات المقاومة والنجاة.
ويضم المجلد دراسات لباحثين متخصصين في تاريخ الإبادة الجماعية، من بينهم Bedross Der Matossian وEdita Gzoyan، إلى جانب باحثين آخرين، كما يضع معسكرات الإبادة الأرمنية في إطار مقارن ضمن التاريخ العالمي لمعسكرات الاعتقال.
ويتناول الكتاب كذلك المصادر الأرشيفية وشهادات الناجين ومسارات الترحيل ومواقع المجازر والدفن الجماعي.
وتكتسب الصورة أهمية خاصة اليوم، لأنها لم تعد مجرد وثيقة فوتوغرافية قديمة، بل أصبحت جزءاً من سجل تاريخي يخضع لدراسة أكاديمية متخصصة بعد أكثر من مئة عام.
فالصورة تحفظ المشهد، والشهادات تحفظ أصوات الضحايا، بينما يعيد البحث الأكاديمي تركيب منظومة المعسكرات التي مر بها المبعدون.
وتظل رأس العين أحد المواقع التي تحمل ذاكرة الترحيل والموت في تاريخ الإبادة الأرمنية، وبعد أكثر من قرن، ما زالت الصورة شاهدة على ذلك التاريخ.
