تحتفل العاصمة الأرمينية يريفان بالذكرى الـ2808 لتأسيسها، مستعيدةً مسيرة مدينة ضاربة بجذورها في أعماق التاريخ منذ أكثر من ثمانية وعشرين قرنًا، وتحمل بين معالمها حكاية حضارة وهوية وطنية وثقافية استطاعت الاستمرار والتجدد عبر العصور.
وتعود بداية هذه المسيرة إلى عام 782 قبل الميلاد، حين أسس الملك أرغيشتي الأول، ملك أورارتو، حصن إريبوني على تلة آرين بيرد. ومنذ ذلك التاريخ، شهدت المدينة تحولات متعاقبة نقلتها من حصن استراتيجي في مملكة قديمة إلى عاصمة سياسية وثقافية لأرمينيا الحديثة، ورمز راسخ للهوية الوطنية الأرمنية.
إريبوني.. البداية التاريخية ليريفان
تستند أصول يريفان إلى أدلة أثرية موثقة، يأتي في مقدمتها النقش المسماري المكتشف في تلة آرين بيرد، الذي يسجل تأسيس حصن إريبوني على يد الملك أرغيشتي الأول.
ويذكر النقش أن الحصن أُسس في ظل عظمة الإله خالدي، كما يتضمن اسم الملك أرغيشتي بن مينوا، واسم إريبوني الذي أُطلق على الموقع، وهو ما يمنح هذا الأثر أهمية تاريخية كبيرة في توثيق نشأة المدينة وربطها بمملكة أورارتو القديمة، المعروفة أيضًا باسم مملكة فان.
وشكلت إريبوني حصنًا استراتيجيًا في سهل أرارات، أُنشئ لتعزيز نفوذ المملكة في المنطقة. ولم تكن وظيفته عسكرية فقط، بل ارتبط بحضارة عرفت التنظيم الإداري والمؤسسات الدينية والنشاط الزراعي، وامتلكت إمكانات معمارية وهندسية متقدمة بالنسبة إلى زمنها.
ولا تزال الآثار الباقية في إريبوني تؤكد امتداد تاريخ يريفان إلى ما قبل تأسيس الدولة الأرمينية الحديثة بقرون طويلة، كما تعكس ارتباط المدينة بتاريخ المنطقة وحضارات المرتفعات الأرمينية.
ويمثل النقش المسماري، الذي وثق تأسيس الحصن، مرجعًا أساسيًا في تحديد عام 782 قبل الميلاد باعتباره بداية العمر التاريخي الذي تحتفل به يريفان في ذكراها الـ2808.
من جمهورية أرمينيا الأولى إلى العاصمة الحديثة
مرت يريفان بمراحل تاريخية متعددة شهدت تغيرات سياسية وثقافية واجتماعية، انعكست على مكانتها الإقليمية وطبيعة عمرانها ودورها في الحياة الأرمينية.
وفي عام 1918، أصبحت يريفان عاصمة جمهورية أرمينيا الأولى، لتتحول إلى المركز السياسي لدولة أرمينية مستقلة حديثة النشأة.
وفي مرحلة لاحقة، شهدت المدينة تطورًا عمرانيًا بارزًا خلال القرن العشرين، عندما وضع المعماري الأرمني ألكسندر تامانيان عام 1924 المخطط الرئيسي لتطوير العاصمة.
وأسهم هذا المخطط في تحديد ملامح وسط يريفان، بما تضمنه من شوارع واسعة وساحات عامة ومبانٍ ذات طابع معماري مميز، في إطار رؤية هدفت إلى إنشاء عاصمة حديثة تعبر عن تطلعات الشعب الأرمني الوطنية والثقافية.
وتكشف المقارنة بين إريبوني القديمة ويريفان الحديثة عن مسار تاريخي متصل، يجمع بين الحفاظ على الإرث الحضاري ومواصلة بناء الدولة والمجتمع وتطوير المدينة.
مركز للثقافة والفكر والفنون
تتمتع يريفان بمكانة تتجاوز دورها الإداري والاقتصادي، إذ تعد من أبرز مراكز الثقافة والفكر والفنون في أرمينيا.
وتضم العاصمة متاحف ومكتبات ومسارح وقاعات للموسيقى ومعارض فنية ومعالم تاريخية تحفظ إبداعات الأجيال المختلفة، وتربط التراث الأثري والمعماري بمختلف أشكال الإبداع، من الأدب والموسيقى والرسم إلى السينما والفنون المعاصرة.
كما أسهم الأدباء والمفكرون والموسيقيون والفنانون والمعماريون من أبناء المدينة في تشكيل الثقافة الأرمنية الحديثة وإثرائها، لتصبح يريفان مساحة تلتقي فيها الذاكرة التاريخية مع الإبداع المعاصر.
وتظهر هذه العلاقة بين الأجيال في معالم المدينة التاريخية من ناحية، وفي جامعاتها ومؤسساتها الثقافية ومقاهيها ومساحاتها الإبداعية من ناحية أخرى، بما يعكس مجتمعًا يسعى إلى الانفتاح على العالم الحديث مع الاحتفاظ بجذوره.
وتحظى يريفان بأهمية خاصة لدى الأرمن المقيمين في مختلف أنحاء العالم، إذ تمثل صلة بالوطن ومرجعًا للهوية الوطنية ورمزًا ثقافيًا وفكريًا يجمع أبناء الشعب الأرمني حول تاريخ مشترك وتطلعات للمستقبل.
ولهذا، تتجاوز مكانة المدينة حدودها الجغرافية، لتظل حاضرة في وجدان الأرمن داخل أرمينيا وفي الشتات، بوصفها رمزًا لاستمرار الحضارة والثقافة الأرمنيتين عبر الأجيال.
«إريبوني – يريفان».. احتفالات تجمع الماضي بالحاضر
يمثل الاحتفال السنوي «إريبوني – يريفان» مناسبة لإحياء تاريخ العاصمة وإبراز حيوية الحياة فيها، من خلال نقل الموروث الحضاري إلى الشوارع والساحات، وربط الذاكرة التاريخية بالأنشطة الثقافية والفنية المعاصرة.
ووفقًا لتقرير «ArmInfo» والتغطيات الإخبارية الأرمنية، أُقيمت احتفالات عام 2026 يومي 9 و10 أكتوبر، وشملت مجموعة متنوعة من الفعاليات الثقافية والموسيقية والفنية في مختلف أنحاء العاصمة.
يريفان.. تاريخ عريق ومستقبل متجدد
يمتد تاريخ يريفان منذ تأسيس حصن إريبوني عام 782 قبل الميلاد، مرورًا بتحولها إلى عاصمة جمهورية أرمينيا الأولى عام 1918، وصولًا إلى ملامح العاصمة الحديثة التي أسهم مخطط ألكسندر تامانيان عام 1924 في تشكيلها.
وتعكس هذه المسيرة قدرة المدينة على الجمع بين إرثها التاريخي ومتطلبات التطور، من النقش المسماري الذي يوثق نشأتها إلى مؤسساتها الثقافية وساحاتها العامة ومعالمها الحديثة.
ومن ثم، فإن الاحتفال بالذكرى الـ2808 لتأسيس يريفان يتجاوز الاحتفاء بتاريخ المدينة، ليصبح مناسبة للاعتزاز بالحضارة الأرمنية وتأكيد أهمية الحفاظ على الهوية الوطنية والثقافية وتجديدها عبر الأجيال.
وتبقى مسؤولية صون هذا الإرث وإثرائه مسؤولية مشتركة، لضمان استمرار يريفان مركزًا للثقافة والمعرفة والإبداع والحياة الوطنية الأرمنية، ومدينة تستمد من تاريخها العريق ما يعينها على مواصلة مسيرتها نحو المستقبل.
عيد ميلاد سعيد يا يريفان، في ذكراك الـ2808!
