
أكد المشاركون في ندوة «ثقافة قبول الآخر… من التسامح إلى الشراكة»، التي استضافها المركز الثقافي المصري بالقاهرة ونظمتها دار النخبة للنشر والأبحاث، أن بناء مجتمعات مستقرة لا يتحقق بالاكتفاء بالتسامح، وإنما يتطلب الانتقال إلى مرحلة الشراكة الفعلية القائمة على الاحترام المتبادل والتعاون والمصالح المشتركة.
ثلاثة محاور لمناقشة ثقافة قبول الآخر
استعرض الدكتور محمد إحسان، سكرتير عام منظمة تضامن الشعوب الأفرو-آسيوية، خلال المحور الأول «قبول الآخر في الفكر الإنساني والتجارب الحضارية»، التطور التاريخي لمفهوم قبول الآخر، موضحًا الفوارق بين مفاهيم التسامح والتعايش والشراكة، ودور القيم الإنسانية المشتركة في بناء المجتمعات، إلى جانب عرض نماذج ناجحة للتعددية والتنوع الحضاري.
وفي المحور الثاني «العلاقات العربية – الكردية… من المعرفة المتبادلة إلى الشراكة الثقافية والمجتمعية»، أوضحت ليلى موسى، ممثل مجلس سوريا الديمقراطية، أن ضعف المعرفة المتبادلة بين العرب والكرد يسهم في إنتاج الصور النمطية والأحكام المسبقة، مؤكدة أهمية المشترك التاريخي والثقافي بين الجانبين، والدور المحوري للمثقفين والإعلاميين في تعزيز الثقة، وتوسيع مجالات التعاون الثقافي والتعليمي والمجتمعي.
أما الدكتور رامي زهدي، المحلل السياسي وخبير الشؤون الأفريقية، فتناول في المحور الثالث «بناء الشراكات المجتمعية في عالم متنوع» أهمية الانتقال من التعايش إلى العمل المشترك، مسلطًا الضوء على دور الشباب في ترسيخ ثقافة الحوار، وإسهام المرأة في بناء الثقة بين المجتمعات، وأهمية مبادرات المجتمع المدني كنماذج عملية للشراكة والتعاون.
وأدارت الندوة أسماء الحسيني، مدير تحرير صحيفة الأهرام، بمشاركة عدد من السياسيين والصحفيين والإعلاميين والمثقفين والمهتمين من مصر والعالم العربي.
دعوات لتعزيز المعرفة والتبادل الثقافي
وأكدت التوصيات الصادرة عن الندوة أن قبول الآخر يعني احترام خصوصيته وإشراكه في بناء المجتمع، وليس مجرد الاعتراف بحقه في الوجود.
ودعت إلى تشجيع المؤسسات الثقافية والإعلامية على إنتاج محتوى يعزز المعرفة المتبادلة بين الشعوب، ودعم المبادرات الشبابية المشتركة، وتعزيز حضور موضوعات التنوع الثقافي وقبول الآخر في الأنشطة التعليمية والثقافية.
كما أوصت بتشجيع التبادل الثقافي والفني، ودعم الدراسات والأبحاث التي تتناول العلاقات بين الشعوب من منظور تعاوني بعيدًا عن الأحكام المسبقة، مع إبراز قصص النجاح في مجالات التعاون والتعايش.
وشددت التوصيات على ضرورة تمكين المرأة والشباب من لعب دور أكبر في بناء جسور التواصل بين المجتمعات، وإطلاق منصة حوار دورية تجمع الباحثين والإعلاميين والمثقفين لمناقشة قضايا التعددية والتعايش.
ودعت كذلك إلى جعل المعرفة المتبادلة بين العرب والكرد جزءًا من الحياة الثقافية اليومية، عبر الترجمة، وتأليف الكتب، وتنظيم المهرجانات، وإنتاج البرامج الإعلامية والأعمال الفنية، والمبادرات الشبابية، فضلًا عن إنشاء شبكات تعاون بين الجامعات العربية والكردية في مجالات البحث العلمي والتبادل الأكاديمي والدراسات الإنسانية والعمل التطوعي.
رسالة الندوة
ورأى المشاركون أن الندوة تأتي في توقيت بالغ الأهمية، في ظل تنامي الاهتمام العالمي بالتنوع الثقافي والهوياتي، مؤكدين أن بناء مستقبل أكثر استقرارًا في المنطقة يقتضي تجاوز مفهوم التسامح التقليدي إلى ثقافة الشراكة، وتحويل التنوع الثقافي في الشرق الأوسط إلى مصدر للإبداع والتكامل والإثراء الحضاري، بدلاً من أن يكون سببًا للخلاف والانقسام.
