
قدمت الدكتورة درية شرف الدين، وزيرة الإعلام المصرية السابقة، الجزء الثاني من ملف «الأرمن المصريون»، خلال حلقة مهمة واستثنائية من برنامج «حديث من مصر» على القناة الأولى المصرية، تناولت خلالها جانبًا أصيلًا من تاريخ المجتمع المصري وتنوعه الثقافي والإنساني، وأضاءت على تجربة الأرمن في مصر وما تمثله من نموذج ثري في المواطنة والتعايش والانتماء.
وتكتسب الحلقة أهمية خاصة لأنها لا تنظر إلى وجود الأرمن في مصر باعتباره مجرد صفحة تاريخية، وإنما تضع أمام المشاهد تجربة إنسانية ووطنية جديرة بالتأمل، خاصة في ظل السؤال حول كيفية تمكن الأرمن في مصر من الحفاظ على هويتهم وذاكرتهم ولغتهم وتراثهم، دون الذوبان، وفي الوقت نفسه الاندماج والمشاركة الفاعلة في المجتمع المصري، في إطار كامل من المواطنة والانتماء.
ويصف د. أرمن مظلوميان، رئيس الهيئة الوطنية الأرمنية في مصر، هذه التجربة بأنها «التجربة المصرية الأرمنية»، وهي تجربة تقوم على معادلة واضحة تتمثل في الحفاظ على الهوية دون عزلة، والمشاركة في المجتمع دون فقدان للخصوصية، وهو ما يعكس طبيعة العلاقة المتوازنة التي نشأت بين الأرمن ومصر على مدار قرون.
وخلال الحلقة، تناولت الدكتورة درية شرف الدين أهمية الاقتراب من المجتمع الأرمني المصري، وزيارة تجمعاته والالتقاء بأبرز شخصياته، بهدف التعرف بصورة مباشرة على تاريخه ودوره وإسهاماته في مصر، وفهم تفاصيل تجربة مجتمع حافظ على خصوصيته وهويته، وفي الوقت ذاته كان جزءًا فاعلًا من المجتمع المصري.
واستعرضت الحلقة عددًا من المحاور الرئيسية، من بينها التعرف على الهيئة الوطنية الأرمنية في مصر، وأهدافها ودورها في الحفاظ على الهوية وتعزيز العلاقات المصرية الأرمنية، إلى جانب الحديث عن الأرمن المصريين ومهنهم وإسهاماتهم في القاهرة والإسكندرية، ودورهم في الحياة الاقتصادية والثقافية والمجتمعية.
كما شهدت الحلقة حديث د. كيفورك أرزنجاتسيان عن جانب من حياة الأرمن في مصر، وعن مصر وأرمينيا كـ«شعبين وتاريخ واحد»، في تأكيد على ما تحمله العلاقات بين البلدين من روابط تاريخية وإنسانية وثقافية.

ومن بين الحكايات التي تناولتها الحلقة، قصة سيلفيا، حفيدة رائد الكاريكاتير الكبير ألكسندر صاروخان، وما تحمله حكاية عائلتها من ارتباط وثيق بتاريخ الفن والصحافة في مصر، بما يسلط الضوء على الإسهامات الأرمنية في المجالات الفنية والإعلامية، وعلى أسماء تركت بصمات واضحة في الذاكرة المصرية.
كما قدمت الحلقة شهادات أرمنية في حب مصر مع د. نايري هامبكيان، مرممة الآثار، التي شاركت جانبًا من تجربتها وشهادتها، إلى جانب شهادة كريس، صاحب أحد أقدم الجاليريهات الأرمنية في وسط القاهرة، الذي تناول جانبًا من الذاكرة الأرمنية في مصر، وما تختزنه من تفاصيل وقصص تؤكد عمق الحضور الأرمني في المجتمع المصري.
وتكشف هذه الشهادات والمحاور أن مصر لم تكن فقط وطنًا احتضن جماعات وثقافات متعددة، وإنما مثلت نموذجًا تاريخيًا للتعايش والتفاعل بين مختلف مكونات المجتمع، وهو ما منح التجربة الأرمنية في مصر خصوصيتها وأهميتها، وجعلها جزءًا من تاريخ المجتمع المصري وتنوعه الثقافي والإنساني.
ويأتي توثيق تجربة الأرمن في مصر عبر شاشة التليفزيون المصري، ومن خلال إعلامية ووزيرة إعلام سابقة بحجم الدكتورة درية شرف الدين، ليشكل خطوة مهمة في التعريف بهذا الجزء من تاريخ مصر الحديث، وإبراز إسهامات الأرمن في الحياة المصرية، وتعريف الأجيال الجديدة بهذه التجربة الفريدة التي تؤكد إمكانية الحفاظ على الهوية والخصوصية الثقافية مع المشاركة الكاملة في المجتمع والوطن.
فالقصة هنا لا تتعلق بالأرمن وحدهم، وإنما هي في جوهرها حكاية مصر التي اتسعت للجميع، وحكاية مواطنين حافظوا على جذورهم وهم يشاركون في بناء وطنهم، وأسهموا في مسيرته الاقتصادية والثقافية والمجتمعية والفنية والإعلامية.
ويستحق هذا الملف كل الشكر والتقدير للدكتورة درية شرف الدين وفريق برنامج «حديث من مصر»، على الاهتمام بهذا الموضوع المهم، وعلى تقديم صورة حقيقية وثرية عن الأرمن المصريين وتجربتهم الممتدة في مصر عبر قرون، بما يسهم في توثيق جانب مهم من تاريخ مصر والتعريف به أمام الأجيال الجديدة.
«الأرمن في مصر».. حكاية عمرها ألف عام.
