
أصبح العمل من المنزل خيارًا شائعًا لدى كثير من الموظفين خلال السنوات الأخيرة، ومع استمرار الجدل حول تأثيره على الإنتاجية والتواصل مع الزملاء، تشير دراسات حديثة إلى أن العمل عن بُعد قد يرتبط بتحسن الصحة النفسية لدى بعض الموظفين، خاصة عندما يكون اختياريًا ويوفر قدرًا من المرونة والاستقلالية.
وأظهرت دراسة طولية شملت 494 موظفًا أن العاملين عن بُعد سجلوا مستويات أفضل من الرفاه النفسي بمرور الوقت مقارنة بالعاملين من مقر العمل، مع انخفاض أكبر في مؤشرات الإجهاد النفسي والاكتئاب والاحتراق الوظيفي.
المرونة قد تكون العامل الأهم
لا يبدو أن مجرد العمل من المنزل هو العامل الوحيد المسؤول عن تحسن الحالة النفسية، إذ تشير الأبحاث إلى أهمية أن يكون الموظف قادرًا على اختيار مكان وطريقة العمل.
وخلصت ورقة بحثية اعتمدت على بيانات من المملكة المتحدة إلى أن إتاحة العمل من المنزل، وليس استخدامه الفعلي فقط، ارتبطت بتحسن الصحة النفسية المرتبطة بالعمل والصحة النفسية العامة في فترات معينة. كما ظهر تأثير أكثر إيجابية لدى النساء في بعض النتائج.
التخلص من ضغوط التنقل
من أبرز المزايا المحتملة للعمل من المنزل تقليل الوقت والجهد المرتبطين بالذهاب إلى مقر العمل والعودة منه، وهو ما قد يمنح الموظف وقتًا أكبر للراحة أو الأسرة أو ممارسة الأنشطة الشخصية.
كما يمكن أن تمنح المرونة في تنظيم ساعات العمل بعض الموظفين قدرة أكبر على التوفيق بين المسؤوليات المهنية والشخصية، خصوصًا عندما تكون طبيعة الوظيفة تسمح بذلك.
لكن العمل من المنزل ليس مفيدًا للجميع
رغم النتائج الإيجابية، لا يمكن القول إن العمل من المنزل يحسن الصحة النفسية لجميع الموظفين في كل الظروف.
فقد أظهرت أبحاث أخرى أن التأثير يعتمد على طريقة تنظيم العمل، وحجم ساعات العمل، ومستوى الدعم الاجتماعي، ومدى وضوح الحدود بين الحياة المهنية والشخصية. كما يمكن أن يؤدي العمل عن بُعد الإجباري أو ضغط العمل المرتفع إلى زيادة التوتر والإرهاق والقلق.
وأشارت دراسة على موظفين أمريكيين إلى أن العمل عن بُعد لمدة يومين إلى 4 أيام أسبوعيًا ارتبط بانخفاض طفيف في احتمالات خطر الاكتئاب، بينما ارتبط العمل عن بُعد 5 أيام أو أكثر أسبوعيًا بارتفاع طفيف في احتمالات خطر القلق، وهو ما يدعم فكرة أن العمل الهجين قد يكون مناسبًا لبعض الموظفين.
كيف تجعلين العمل من المنزل أكثر راحة؟
للحصول على فوائد العمل من المنزل وتقليل سلبياته، من المهم تخصيص مكان واضح للعمل قدر الإمكان، ووضع مواعيد محددة لبداية اليوم ونهايته.
كما يفضل الحصول على فترات راحة قصيرة خلال ساعات العمل، والابتعاد عن المكتب بعد انتهاء ساعات العمل، إلى جانب الحفاظ على التواصل مع الزملاء حتى لا يتحول العمل عن بُعد إلى عزلة اجتماعية.
ويساعد وضع حدود واضحة بين وقت العمل والوقت الشخصي على منع امتداد المهام المهنية إلى ساعات الراحة، خاصة عندما يكون المنزل هو نفسه مكان العمل والاسترخاء.
هل العمل الهجين هو الحل الأفضل؟
تشير بعض النتائج الحديثة إلى أن العمل الهجين، الذي يجمع بين العمل من المنزل والحضور إلى مقر الشركة، قد يوفر توازنًا بين المرونة والتواصل المباشر مع الزملاء.
لكن النموذج الأنسب يختلف من شخص لآخر ومن وظيفة لأخرى، ولذلك قد يكون منح الموظف قدرًا من الاختيار والمرونة أكثر أهمية من فرض نموذج واحد على جميع العاملين.
وفي النهاية، تشير الدراسات إلى وجود علاقة بين العمل من المنزل وتحسن بعض مؤشرات الصحة النفسية، لكن هذه العلاقة ليست ثابتة في جميع الظروف ولا تعني أن العمل عن بُعد علاج لمشكلات الصحة النفسية. وتظل طبيعة الوظيفة، ودرجة المرونة، وحجم الأعباء، والدعم من جهة العمل، والقدرة على الفصل بين العمل والحياة الشخصية عوامل أساسية في تحديد النتيجة.
