
احتفت هيئة الرقابة الإدارية بمرور (55) عامًا على صدور تقاريرها السنوية، و(76) عامًا على تأسيسها، خلال احتفالية كبرى أقيمت بمجمع قاعات ريكسوس بالعاصمة طرابلس، بحضور النائب الأول لرئيس مجلس النواب السيد ‘‘فوزي النويري’’، وعدد من أعضاء مجلسي النواب والدولة، ووزراء بحكومة الوحدة الوطنية، ورؤساء الهيئات والمصالح، والسفراء المعتمدين لدى ليبيا، وممثلي المنظمات الدولية، إلى جانب عدد من رؤساء الهيئة السابقين وذوي من غادروا الحياة منهم.
وافتتحت الاحتفالية بآيات من الذكر الحكيم، أعقبها الوقوف للنشيد الوطني، ثم عرض تقرير مرئي وثّق مسيرة العمل الرقابي في ليبيا على مدى خمسة وخمسين عامًا، مستعرضًا مراحل تطور الهيئة ودورها في متابعة الإنفاق العام وتعزيز مبادئ الشفافية وصون المال العام.
وفي كلمته خلال الاحتفالية، أكد رئيس هيئة الرقابة الإدارية السيد ‘‘عبدالله قادربوه’’ أن التقريرين السنويين (54-55) للعامين 2024 و2025 يكشفان بصورة دقيقة الواقع المالي والإداري للدولة الليبية، مشيرًا إلى أن حجم الإنفاق العام منذ عام 2011 بلغ “ترليونًا ومليار دينار ليبي”، واصفًا هذا الرقم بـ”المخيف”، في وقت كان الليبيون يطمحون فيه إلى حياة أكثر استقرارًا وكرامة بعد سنوات طويلة من التحولات السياسية والأزمات المتعاقبة.
وأوضح أن أحلام المواطنين وطموحاتهم في بناء دولة مستقرة وموحدة اصطدمت بتحديات كبيرة وانقسامات وصراعات أثرت بشكل مباشر على تفاصيل حياتهم اليومية، وأضعفت مستوى الخدمات الأساسية في قطاعات الصحة والتعليم والبنية التحتية، مؤكدًا أن المواطن الليبي ظل يتحمل أعباء هذه المرحلة بكل ما فيها من معاناة وتحديات.

وأشار رئيس الهيئة إلى أن ما كشفته التقارير السابقة من انحرافات واختلالات جسيمة دفع الهيئة إلى العمل على بناء أول قاعدة بيانات وطنية متكاملة للشكل الإداري للدولة الليبية، بهدف تحديد مكامن الخلل ووضع معالجات دقيقة تساعد مؤسسات الدولة على اتخاذ قرارات أكثر كفاءة ووضوحًا.
وأوضح أن التقريرين تضمنا بيانات ومؤشرات تفصيلية تتعلق بالإنفاق العام والإيرادات والنفط والاستثمارات والسياسة النقدية والبنية التحتية وقطاعي الصحة والتعليم، مؤكدًا أن الهدف من عرض هذه الحقائق ليس مجرد رصد الأرقام، بل دق ناقوس الخطر والدعوة إلى عمل وطني جماعي يحافظ على ما تبقى من مؤسسات الدولة ويعيد للمواطن ثقته في مؤسساته.
كما شدد على أهمية العمل الجماعي بين مؤسسات الدولة، مؤكدًا دعم الهيئة للاتفاق على الميزانية الموحدة باعتبارها خطوة نحو بناء رؤية اقتصادية موحدة وتحقيق الاستقرار، معربًا عن أمله في أن تسهم هذه الجهود في الوصول إلى وطن موحد ينعم أبناؤه بخيراته وثرواته، ويمضي نحو الاستقرار والانتخابات وتحقيق تطلعات الليبيين في مستقبل أفضل.

ومن جانبه، أكد النائب الأول لرئيس مجلس النواب السيد ‘‘فوزي النويري’’ أن الإعلان عن التقريرين يمثل “حدثًا وطنيًا مهمًا”، ومحطة أساسية لتقييم الأداء العام بمؤسسات الدولة، مشيرًا إلى أن مجلس النواب ينظر إلى التقارير الرقابية باعتبارها أداة للإصلاح وتعزيز المساءلة وعدم الإفلات من المسؤولية.
وشدد ‘‘فوزي النويري’’ على أهمية تحويل نتائج التقارير الرقابية إلى إجراءات تنفيذية ملموسة تسهم في تطوير التشريعات وتعزيز كفاءة المؤسسات وترسيخ مبادئ الحوكمة الرشيدة.
وتضمنت الاحتفالية استعراض التقريرين السنويين (54-55) للعامين 2024 و2025، واللذين صدرا في نحو (1511) صفحة، متضمنين مؤشرات رقابية ومالية واقتصادية شملت ملفات النفط والغاز، والوظيفة العامة، والمشروعات المتعثرة، والقطاع الصحي، والتعليم، والاستثمارات الليبية، إلى جانب عرض للإجراءات المتخذة حيال المخالفات والقضايا والإحالات التأديبية والقضائية.
وخلال استعراض التقريرين، أوضح السيد ‘‘مهند سالم الماوي’’، مدير مكتب رئيس هيئة الرقابة الإدارية، أن الهيئة سجلت خلال عام 2025 نحو (10690) ملاحظة ومخالفة على الجهاز التنفيذي، إلى جانب آلاف المراسلات والشكاوى والبلاغات المتعلقة بالمخالفات المالية والإدارية وتدني مستوى الخدمات.
كما استعرض ‘‘مهند سالم الماوي’’ ملفات العقود العامة والمشروعات التنموية، إضافة إلى ملف الكتاب المدرسي الذي شهد -بحسب العرض- تدخلًا رقابيًا أسهم في خفض قيم تعاقدات بمئات الملايين من الدنانير.
وفي السياق ذاته، قدّم الدكتور ‘‘علي منصور عطية’’، مستشار رئيس الهيئة للشؤون الاقتصادية، عرضًا تناول تطور الإنفاق العام والإيرادات والسياسة النقدية وإنتاج النفط، موضحًا أن الجزء الأكبر من الإنفاق اتجه إلى المصروفات الاستهلاكية والمرتبات، مقابل تراجع الإنفاق التنموي والاستثماري.
كما شهدت الاحتفالية عرضًا للدكتور ‘‘محمود عاشور خليفة’’، مدير عام الأكاديمية الوطنية للتدريب والتطوير، استعرض خلاله برامج التدريب والتأهيل التي نفذتها الهيئة داخل ليبيا وخارجها، بهدف رفع كفاءة الكوادر الرقابية وتطوير الأداء المؤسسي.
ومن جهته، استعرض السيد ‘‘إبراهيم عبدالكريم إبراهيم’’، مستشار رئيس الهيئة للشؤون الخارجية، جهود الهيئة في مجال التعاون الدولي، مشيرًا إلى انضمامها لعدد من الشبكات والمنظمات الدولية المعنية بالنزاهة ومكافحة الفساد، وتوقيع مذكرات تفاهم مع جهات رقابية دولية.
كما شهدت الاحتفالية كلمة لرئيس هيئة الرقابة الإدارية السابق السيد ‘‘نصر المشاي’’، أكد فيها أن التقارير السنوية تمثل سجلًا وطنيًا وثّق واقع المؤسسات والتحديات التي واجهتها الدولة عبر العقود الماضية.
واختتمت الاحتفالية بعرض مرئي استعرض مسيرة رؤساء هيئة الرقابة الإدارية السابقين، حيث قام السيد رئيس الهيئة بتكريمهم بدرع خاص عرفانًا بجهودهم وإسهاماتهم في ترسيخ العمل الرقابي وتعزيز دور الهيئة عبر مختلف المراحل.
