احتضن مقر الأرشيف والمكتبة الوطنية فعاليات ملتقى المعرفة الأول، الذي نظمه الأرشيف والمكتبة الوطنية بالتعاون مع جمعية الإمارات للمكتبات والمعلومات، تحت شعار «الأرشيفات والمكتبات.. شراكة المعرفة وصناعة الذاكرة»، بهدف تعزيز التكامل والتعاون بين مؤسسات الأرشيف والمكتبات، والتعريف بدورها في حفظ الذاكرة الوطنية وإتاحة المعرفة وخدمة المجتمع.
كما استهدف الملتقى استعراض التجارب والممارسات الناجحة في مجال الشراكات المؤسسية، ومناقشة الرؤى المستقبلية التي من شأنها تطوير العمل المؤسسي، والإسهام في بناء مجتمع معرفي مستدام.
وقال الدكتور حمد المطيري، المدير التنفيذي بالإنابة للأرشيف والمكتبة الوطنية، نائب رئيس المجلس الدولي للأرشيف، إن المعرفة تمثل ركيزة للتنمية وأساسًا لصناعة المستقبل، موضحًا أن الأرشيفات والمكتبات تشكلان وجهين لمنظومة معرفية واحدة؛ فالأرشيف يحفظ الذاكرة الوطنية ويوثق مسيرة الإنجازات، بينما تعمل المكتبات على إنتاج المعرفة وتداولها وإثرائها.
وأضاف أن الذاكرة المؤسسية والوطنية أصبحت موردًا استراتيجيًا في ظل عصر التحول الرقمي، الأمر الذي يجعل الحفاظ عليها وإتاحتها وتوظيفها مسؤولية مشتركة تتطلب تكامل الجهود وتبادل الخبرات والاستفادة من التقنيات الحديثة.
وأكد المطيري أن ملتقى المعرفة يشكل منصة للحوار واستشراف الفرص والتحديات التي يواجهها قطاعا الأرشيف والمكتبات، بما يعزز إسهام المؤسسات المعرفية في خدمة المجتمع، معربًا عن أمله في أن يسفر الملتقى عن توصيات ومبادرات نوعية تدعم التكامل بين الأرشيفات والمكتبات، وترسخ مكانة المعرفة ضمن مسيرة التنمية.
وأكد سعادة فهد المعمري، رئيس مجلس إدارة جمعية الإمارات للمكتبات والمعلومات، أن بناء مجتمع المعرفة يحتاج إلى التكامل وتبادل الخبرات وتحويل الأفكار إلى مبادرات تحقق أثرًا مستدامًا، مشيرًا إلى أن الأرشيفات والمكتبات تجاوزت مفهوم كونها مؤسسات للحفظ فقط، لتصبح مؤسسات فاعلة في إنتاج المعرفة، وحفظ الذاكرة، ودعم البحث العلمي، وإتاحة المعلومات.
وأشاد بالشراكة القائمة مع الأرشيف والمكتبة الوطنية، وبجهوده في حفظ الذاكرة الوطنية، ودعم قطاع المكتبات والمعلومات، وتطوير الممارسات المهنية، والاستثمار في التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي.
وكشف المعمري عن إطلاق الموقع الإلكتروني الجديد لجمعية الإمارات للمكتبات والمعلومات، باعتباره منصة رقمية متكاملة تستهدف تطوير الخدمات المقدمة للأعضاء والمهنيين، مؤكدًا أن الملتقى يسعى إلى تأسيس حوار وطني يتجاوز التعاون في الفعاليات إلى تنفيذ مشروعات مشتركة في مجالات الذاكرة والمعرفة والتحول الرقمي والذكاء الاصطناعي.
من جهته، شدد الأستاذ الدكتور عماد عيسى، رئيس الاتحاد العربي للمكتبات والمعلومات، على أهمية الشراكات المؤسسية والتكامل بين الأرشيفات والمكتبات، في ضوء التطورات المتسارعة التي تشهدها تقنيات المعلومات، مشيدًا بتجربة الأرشيف والمكتبة الوطنية بوصفها نموذجًا متميزًا للتكامل والدمج.
وأشار إلى أن مؤسسات الذاكرة والمعرفة لم يعد دورها مقصورًا على حفظ الوثائق، وإنما امتد ليشمل صناعة المعرفة وإتاحتها والاستفادة منها في دعم التنمية، مؤكدًا أهمية التنوع الثقافي والتكامل المعرفي وتبادل الخبرات وتجاوز الفكر الأحادي.
كما استعرض دور الاتحاد العربي للمكتبات والمعلومات في نقل الخبرات ودعم المؤسسات، مؤكدًا أن الشراكة الحقيقية تقوم على ما يقدمه كل طرف للآخر، وأن الحوار وتبادل الرؤى والأفكار يمثلان أساسًا لإطلاق مبادرات بناءة تخدم قطاع المكتبات والمعلومات.
وتضمن الملتقى جلسة حوارية تحت عنوان «مؤسسات الذاكرة والمعرفة.. شراكات وطنية ورؤى عربية للمستقبل»، شارك فيها الدكتور حمد المطيري، وسعادة فهد المعمري، والأستاذ الدكتور عماد عيسى، والأستاذة فاطمة التميمي، مدير إدارة مكتبات أبوظبي العامة، فيما أدارت الجلسة الأستاذة شيخة المطيري.
وخلال الجلسة، استعرض الدكتور حمد المطيري نشأة الأرشيف والمكتبة الوطنية بتوجيهات من المغفور له -بإذن الله- الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، والدور الذي قام به الأرشيف في توثيق تاريخ الدولة.
وأشار إلى أن صدور القانون رقم 7 لعام 2008 مثل محطة مهمة في تاريخ الأرشيف والمكتبة الوطنية، لما اشتمل عليه من تنظيم لجميع ما يتعلق بجمع الوثائق وحفظها وإتاحتها، إلى جانب تنظيم إتلاف الوثائق عديمة الجدوى.
وأوضح أن العمل تطور في مرحلة لاحقة ليشمل تحليل محتويات الوثائق، بما يسمح لمتخذي القرار والباحثين والطلبة بالاستفادة منها، وصولًا إلى تحول الأرشيف والمكتبة الوطنية في عام 2021، واندماج المكتبة الوطنية مع الأرشيف تحت مظلة واحدة.
وتناول سعادة فهد المعمري مسيرة جمعية الإمارات للمكتبات والمعلومات التي تأسست عام 2018، مشيرًا إلى استفادتها من التجارب والممارسات الناجحة للجمعيات المماثلة في البلدان الشقيقة والصديقة.
وأكد المعمري أهمية وظيفة أمين المكتبة، وضرورة أن يكون متخصصًا في علوم المكتبات، موضحًا أن الجمعية اهتمت بهذا الجانب من خلال استقطاب الكوادر العاملة في المكتبات الوطنية للمشاركة في المحاضرات والورش والملتقيات المتخصصة في علوم المكتبات.
وتطرق الأستاذ الدكتور عماد عيسى إلى أهمية التنوع الثقافي والتكامل المعرفي، مؤكدًا ضرورة أن يكون التكامل أساسًا للصعود والارتقاء، ومشيدًا بالتجربة الإماراتية وما حققته من قفزات ناجحة، إلى جانب أهمية تحدي العقبات وتجاوز الفكر الأحادي والفردي، ورفد الاتحاد العربي للمكتبات والمعلومات بالأفكار والمبادرات.
وأكدت الأستاذة فاطمة التميمي أهمية المشاركة في طرح التحديات والعمل على تجاوزها، مشيرة إلى ضرورة وجود أمناء مكتبات مثقفين وحريصين على تقديم الخدمة للجمهور بأفضل صورة ممكنة.
واستعرضت التميمي عددًا من النماذج التي تجسد عمل المؤسسة، من بينها إصدار دائرة الثقافة والسياحة موسوعة معجم البلدان وإتاحتها للباحثين المعاصرين، بالإضافة إلى مشروع معجم المسرد الثقافي الذي يتضمن كلمات تراثية.
وشهد الملتقى كذلك تنظيم خلوة ثقافية استهدفت نقل الحوار من مرحلة تبادل الأفكار والرؤى إلى صياغة مخرجات ومبادرات قابلة للتنفيذ، بما يجعل الملتقى بداية لمسار مستدام تتحول خلاله الأفكار إلى مشروعات، والشراكات إلى إنجازات، والمعرفة إلى أثر ملموس، فضلًا عن إسهامه في تنمية الخبرات المهنية ودعم التطور الوظيفي للعاملين في المؤسسات المعلوماتية.
واستعرضت الأستاذة شيخة المطيري مخرجات الخلوة الثقافية التي عقدت ضمن فعاليات ملتقى المعرفة الأول، والتي توزعت على ثلاثة محاور رئيسية هي المكتبات الأكاديمية، والذكاء الاصطناعي، والقيادة الثقافية، بما يعكس تنوع القضايا التي تناولها الملتقى وارتباطها باحتياجات مؤسسات المعرفة ومتطلبات المرحلة المقبلة.
وفي ختام أعمال الملتقى، أطلق الدكتور حمد المطيري «مختبر رؤية» في الأرشيف والمكتبة الوطنية، داعيًا المهتمين بالتطوير في مجال الذكاء الاصطناعي إلى زيارة المختبر والتعرف إلى الأدوات والإمكانات التي يتيحها، والتي يمكن توظيفها في تطوير أعمال المكتبات والمعلومات وتعزيز الابتكار في هذا المجال.
كما أعلن سعادة فهد المعمري تشكيل لجنتين جديدتين، باعتبارهما من ثمار ملتقى المعرفة الأول ومخرجاته، وهما لجنة الأرشيفات، ولجنة الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي، بما يدعم استدامة الحراك المعرفي الذي أطلقه الملتقى، ويفتح آفاقًا جديدة للتعاون والتنسيق بين المختصين والمؤسسات ذات الصلة.
ويؤكد تنظيم ملتقى المعرفة الأول أهمية تكامل أدوار مؤسسات الأرشيف والمكتبات ومراكز البحث والمؤسسات الثقافية، وتعزيز الشراكات الوطنية والعربية لبناء منظومة متكاملة للمعرفة والذاكرة، ومواكبة التحولات المتسارعة في مجالات التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي، وترسيخ دور مؤسسات الذاكرة والمعرفة في صناعة مستقبل أكثر ابتكارًا واستدامة.
