السبت, مايو 30, 2026
رئيس مجلس الإدارة د/احمد فزارة
رئيس التحرير أحمد دياب
الرئيسيةتحقيقات وتقاريرحين إنتصر الفن على الزلزال.. حكاية جداريات ميناس أفيديسيان التي عادت إلى...

حين إنتصر الفن على الزلزال.. حكاية جداريات ميناس أفيديسيان التي عادت إلى الحياة

 

 

في بعض المطارات حول العالم، يستقبل المسافرين إعلان تجاري ضخم أو شاشة رقمية عملاقة أو مجسم معماري حديث، لكن في أرمينيا اختارت البلاد أن تروي حكايتها بطريقة مختلفة؛ حكاية تبدأ بالفن، وتمتد عبر الذاكرة والتاريخ والهوية الوطنية. فبمجرد أن تطأ أقدام الزائر أرض مطار زفارتنوتس الدولي في العاصمة يريفان، يجد نفسه أمام أعمال فنية لا تمثل مجرد لوحات جدارية، بل فصولاً كاملة من تاريخ أمة عرفت كيف تحافظ على تراثها رغم الكوارث والتحديات.

هناك، في قلب المطار، تقف جداريات الفنان الأرمني الكبير ميناس أفيديسيان شاهدة على رحلة طويلة من الإبداع والألم والنجاة. رحلة بدأت قبل عقود داخل مصنع صناعي في مدينة غيومري، وكادت أن تنتهي تحت أنقاض واحد من أكثر الزلازل تدميراً في تاريخ أرمينيا الحديث، قبل أن تُبعث من جديد لتتحول إلى رمز ثقافي يستقبل ملايين الزوار القادمين إلى البلاد.

كان الفنان الأرمني البارز ميناس أفيديسيان واحداً من أهم الأسماء التي تركت بصمة استثنائية في تاريخ الفن الأرمني الحديث. فقد امتلك رؤية فنية خاصة جمعت بين الأصالة والحداثة، واستلهم أعماله من الطبيعة الأرمنية والريف والتراث الشعبي والحياة اليومية للإنسان الأرمني. لذلك لم تكن أعماله مجرد لوحات جميلة، بل كانت تعبيراً صادقاً عن روح شعب كامل وتاريخه وثقافته.

وفي سبعينيات القرن الماضي، أنجز أفيديسيان مجموعة من الجداريات الضخمة داخل مصنع الهندسة الكهربائية بمدينة غيومري، ثاني أكبر المدن الأرمنية وأكثرها أهمية من الناحية الثقافية والتاريخية. آنذاك، لم يكن أحد يتخيل أن هذه الأعمال الفنية ستصبح بعد سنوات محور واحدة من أكثر قصص إنقاذ التراث الفني إثارة في أرمينيا.

مرت السنوات، وظلت الجداريات تزين جدران المصنع، شاهدة على حركة العمال وضجيج الآلات وتغير الأزمنة. لكن صباح السابع من ديسمبر عام 1988 حمل معه مأساة غيرت وجه البلاد بأكملها. ففي ذلك اليوم ضرب زلزال مدمر شمال أرمينيا، مخلفاً عشرات الآلاف من الضحايا ودماراً واسع النطاق طال مدناً وقرى ومنشآت عديدة.

كانت مدينة غيومري من أكثر المناطق تضرراً من الكارثة، ولم يكن مصنع الهندسة الكهربائية بمنأى عن آثارها. فقد تعرض المبنى لأضرار جسيمة جعلته آيلاً للانهيار، فيما أصيبت الجداريات الموجودة داخله بتصدعات وتلفيات خطيرة. ومع مرور الوقت، بات الخوف يتزايد من فقدان هذه الأعمال الفنية نهائياً، خاصة مع استمرار تدهور حالة المبنى الذي يحتضنها.

لم يكن الأمر يتعلق بفقدان لوحات فنية فحسب، بل بخسارة جزء من الذاكرة الثقافية لأرمينيا. فالجداريات التي أبدعها ميناس أفيديسيان كانت تمثل مرحلة مهمة من تاريخ الفن الأرمني، وتحمل في تفاصيلها الكثير من الرموز والدلالات المرتبطة بالهوية الوطنية والتراث الشعبي.

ولسنوات طويلة ظلت هذه الأعمال تواجه مصيراً مجهولاً، إلى أن بدأت جهود حقيقية لإنقاذها والحفاظ عليها للأجيال المقبلة. وبين عامي 2010 و2011 انطلقت عملية ترميم معقدة ودقيقة شارك فيها متخصصون وخبراء من أرمينيا وإيطاليا، في تعاون يعكس الأهمية الاستثنائية التي حظيت بها هذه الجداريات.

لم تكن المهمة سهلة على الإطلاق. فاللوحات تعرضت لأضرار كبيرة، كما أن عملية نقل جداريات بهذا الحجم تتطلب خبرة تقنية عالية وإجراءات دقيقة للحفاظ على أدق التفاصيل الفنية. ومع ذلك نجح فريق الترميم في إعادة الحياة إلى الأعمال المتضررة، واستطاع إنقاذ جزء مهم من التراث الفني الأرمني الذي كان مهدداً بالضياع.

وبعد انتهاء أعمال الترميم، اتُخذ قرار يحمل دلالة رمزية عميقة. فقد تقرر نقل الجداريات من موقعها القديم إلى مطار زفارتنوتس الدولي في يريفان، بالتزامن مع إنشاء المبنى الجديد للمطار. وكان الهدف من هذه الخطوة يتجاوز مجرد توفير مكان آمن لحفظ الأعمال الفنية، إذ أرادت أرمينيا أن تجعل الفن جزءاً من تجربتها الأولى مع الزوار القادمين من مختلف أنحاء العالم.

ومنذ ذلك الحين، تحولت الجداريات إلى ما يشبه سفيراً ثقافياً دائماً للبلاد. فقبل أن يتعرف السائح على شوارع يريفان أو جبال أرمينيا أو كنائسها التاريخية، يلتقي أولاً بفن ميناس أفيديسيان، وكأن الدولة تقدم له بطاقة تعريف ثقافية مختصرة تقول من خلالها إن الفن جزء أصيل من هويتها الوطنية.

ويضم مطار زفارتنوتس الدولي اليوم جداريتين من أشهر أعمال الفنان الراحل. الأولى هي جدارية «غزل الخيط» أو Spinning a Thread، والتي تعد العمل الأكبر والأكثر شهرة بين الجداريتين. ويبلغ حجمها نحو 13.5 متراً طولاً و4 أمتار ارتفاعاً، ما يمنحها حضوراً بصرياً مهيباً يجعل من الصعب على الزائر أن يمر بجوارها دون أن يتوقف أمامها.

 

أما الجدارية الثانية فهي «أحجار الطحن» أو Millstones، وهي أصغر حجماً حيث تبلغ أبعادها نحو 5.7 متر طولاً و3 أمتار ارتفاعاً، وقد تم تخصيصها للمنطقة الرئاسية داخل المطار، لتبقى شاهدة هي الأخرى على موهبة الفنان الذي نجح في تحويل عناصر الحياة اليومية البسيطة إلى أعمال فنية تحمل أبعاداً إنسانية وثقافية عميقة.

ورغم مرور سنوات طويلة على نقل الجداريات إلى المطار، لم تتوقف جهود الحفاظ عليها. ففي عام 2025 خضعت هذه الأعمال لعملية ترميم وتدعيم إضافية هدفت إلى ضمان استمرار بقائها في أفضل حالة ممكنة، وحمايتها من التأثيرات البيئية والزمنية التي قد تؤثر على مكوناتها الفنية.

وتعكس هذه الخطوة إدراكاً متزايداً لأهمية التراث الثقافي بوصفه جزءاً من الهوية الوطنية، وضرورة الاستثمار في حمايته وصيانته تماماً كما يتم الاستثمار في البنية التحتية أو المشروعات الاقتصادية. فالأمم لا تُعرف فقط بما تمتلكه من طرق ومبانٍ ومصانع، وإنما أيضاً بما تحافظ عليه من فنون وذاكرة وتاريخ.

وعلى مدار ما يقرب من خمسة عشر عاماً، واصلت هذه الجداريات أداء دورها الثقافي الفريد داخل مطار زفارتنوتس الدولي. فكل يوم تمر أمامها وجوه جديدة قادمة من قارات مختلفة، تحمل لغات وثقافات وتجارب متنوعة، لكنها تتوقف جميعاً أمام لغة واحدة يفهمها الجميع: لغة الفن.

ولعل ما يمنح قصة هذه الجداريات خصوصيتها أنها ليست مجرد أعمال فنية نجت من كارثة طبيعية، بل رمز لقدرة الثقافة على الانتصار على الزمن والدمار. فبين اللحظة التي هدد فيها الزلزال وجودها وبين اللحظة التي أصبحت فيها واجهة ثقافية لأرمينيا، تمتد حكاية كاملة عن الإصرار على حماية الذاكرة وعدم السماح للنسيان بأن ينتصر.

واليوم، عندما ينظر الزائر إلى جداريات ميناس أفيديسيان في مطار زفارتنوتس الدولي، فإنه لا يرى ألواناً وخطوطاً وأشكالاً فنية فحسب، بل يقرأ قصة شعب حافظ على تراثه رغم المحن، وقصة فنان ما زالت أعماله تنبض بالحياة بعد عقود من رحيله، وقصة وطن اختار أن يجعل الفن أول رسالة يوجهها إلى العالم.

وهكذا أصبحت جداريات ميناس أفيديسيان أكثر من مجرد أعمال تزيّن جدران مطار دولي؛ إنها شهادة حية على قوة الإبداع، وعلى قدرة الفن على تجاوز الكوارث، وعلى إيمان أرمينيا بأن الثقافة ليست ترفاً، بل جزء أساسي من روح الأمة وذاكرتها ومستقبلها.

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

احدث التعليقات

الأكثر قراءة