
تترقب الأسواق اجتماع لجنة السياسة النقدية بالبنك المركزي المصري، المقرر عقده الخميس 20 أغسطس 2026، لحسم مصير أسعار الفائدة، وسط إجماع واسع بين الخبراء والمؤسسات المالية على الإبقاء على أسعار العائد دون تغيير للمرة الرابعة على التوالي، عند 19% للإيداع و20% للإقراض.
ويأتي الاجتماع في ظل عودة معدلات التضخم إلى الارتفاع، واستمرار الضغوط الناتجة عن أسعار الطاقة وسعر الصرف، إلى جانب حالة عدم اليقين المرتبطة بالتوترات الجيوسياسية، وهو ما يدفع البنك المركزي إلى تبني سياسة «الانتظار والترقب» قبل استئناف دورة التيسير النقدي.
التثبيت.. السيناريو الأكثر ترجيحًا
يرى خبراء مصرفيون واقتصاديون أن مستويات الفائدة الحالية لا تزال مناسبة لامتصاص السيولة الزائدة والحد من انتقال ضغوط الأسعار إلى جانب الطلب، في الوقت الذي تميل فيه الضغوط التضخمية الحالية بدرجة كبيرة إلى جانب العرض، نتيجة ارتفاع أسعار الطاقة وبعض السلع والتكاليف المحلية والعالمية.
ويعزز هذا الاتجاه رغبة البنك المركزي في الحفاظ على استقرار سوق الصرف وضمان استمرار تدفقات النقد الأجنبي، خاصة أن أي خفض سريع للفائدة قد يؤثر في جاذبية الأصول المقومة بالجنيه أمام المستثمرين الأجانب.
ورجح هاني أبو الفتوح، الخبير المصرفي، وصول احتمالات تثبيت أسعار الفائدة في اجتماع أغسطس إلى نحو 90%، مقابل 10% لاحتمال رفعها، مشيرًا إلى أن الخفض يبدو مستبعدًا في الوقت الحالي طالما ظل التضخم مرتفعًا واستمرت المخاطر المرتبطة بالطاقة وسعر الصرف.
التضخم يضغط على قرار «المركزي»
ارتفع معدل التضخم العام لإجمالي الجمهورية على أساس سنوي إلى 13% خلال يوليو 2026، مقابل 12.2% في يونيو، بينما صعد التضخم في المدن إلى 14.9% مقارنة بـ14.3% في الشهر السابق، وفق البيانات الواردة.
ويرى أبو الفتوح أن القراءة الشهرية المحدودة للتضخم لا توفر مبررًا واضحًا لرفع الفائدة، إلا أن استمرار التضخم الحضري أعلى من النطاق المستهدف للبنك المركزي يفرض قدرًا أكبر من الحذر.
كما أن تقارب التضخم العام والأساسي يعكس، وفق تقديراته، امتداد الضغوط السعرية إلى مكونات أكثر استدامة، وليس فقط العناصر المتقلبة.
أسعار الطاقة.. أبرز مصادر المخاطر
تمثل أسعار الطاقة أحد أهم العوامل التي تعقد مهمة البنك المركزي خلال الفترة الحالية، إذ يمكن لارتفاع أسعار النفط والكهرباء والوقود أن ينتقل إلى تكلفة الإنتاج والنقل وأسعار السلع والخدمات، بما يزيد الضغوط التضخمية.
وأبقت الحكومة المصرية، في بداية أغسطس، على تعريفة الكهرباء للشريحة الأولى من الاستهلاك المنزلي دون تغيير، بينما رفعت الأسعار بنحو 12% للشرائح السكنية الأخرى، وهو ما قد ينعكس على التضخم خلال الربع الثالث من العام.
وتوقعت «إتش سي» وصول متوسط التضخم إلى نحو 16% خلال الربع الثالث، مقابل نحو 15% في الربع الثاني.
وفي هذا السياق، يرى محمود نجلة، المدير التنفيذي لأسواق النقد والدخل الثابت بشركة الأهلي للاستثمارات المالية، أن الفائدة المرتفعة تساعد على امتصاص السيولة الزائدة والحد من انتقال الضغوط الناتجة عن ارتفاع تكاليف الطاقة إلى تضخم ناتج عن زيادة الطلب.
كيف تحركت أسعار الفائدة منذ 2025؟
بدأ البنك المركزي المصري عام 2025 بأسعار فائدة مرتفعة بلغت 27.25% للإيداع و28.25% للإقراض، قبل أن يبدأ دورة التيسير النقدي في أبريل من العام نفسه، عندما خفض الفائدة بمقدار 2.25 نقطة مئوية إلى 25% للإيداع و26% للإقراض.
وفي مايو 2025، خفض البنك المركزي أسعار الفائدة بنسبة 1% إضافية إلى 24% للإيداع و25% للإقراض، قبل تثبيتها في يونيو.
واستؤنفت دورة الخفض خلال النصف الثاني من 2025، إذ جرى خفض الفائدة 2% في أغسطس، ثم 1% في أكتوبر، قبل تثبيتها في نوفمبر وخفضها مجددًا في ديسمبر.
ومع بداية 2026، خفض البنك المركزي الفائدة مرة أخرى في فبراير بمقدار 1% لتصل إلى 19% للإيداع و20% للإقراض، ثم أبقى عليها دون تغيير في اجتماعات أبريل ومايو ويوليو، في ظل المتغيرات الاقتصادية والجيوسياسية.
وبذلك يكون البنك المركزي قد خفض أسعار الفائدة بنحو 8.25 نقطة مئوية منذ بدء دورة التيسير النقدي في أبريل 2025 وحتى فبراير 2026، قبل تعليق دورة الخفض.
3 مخاطر قد تدفع المركزي لتغيير موقفه
حدد الخبراء عددًا من العوامل التي قد تدفع البنك المركزي إلى إعادة النظر في سياسة التثبيت خلال الاجتماعات المقبلة.
ويأتي في مقدمتها ارتفاع أسعار النفط والطاقة نتيجة تصاعد التوترات الجيوسياسية، بما يرفع تكلفة الواردات ويزيد الضغوط التضخمية.
أما الخطر الثاني فيتمثل في استمرار تشدد السياسة النقدية الأمريكية أو تأخر خفض أسعار الفائدة في الولايات المتحدة، بما قد يؤثر في تدفقات الاستثمارات الأجنبية إلى أدوات الدين المصرية ويضغط على سعر الصرف.
ويتمثل العامل الثالث في التأثيرات السلبية لاستمرار أسعار الفائدة المرتفعة على التمويل والاستثمار والنشاط الاقتصادي، إلى جانب زيادة تكلفة خدمة الدين المحلي.
صندوق النقد يدعو إلى سياسة نقدية متشددة
تأتي توقعات التثبيت رغم توصية صندوق النقد الدولي بالحفاظ على سياسة نقدية متشددة، في ظل مخاطر ارتفاع التضخم الناتجة عن تعديلات أسعار الطاقة وسعر الصرف والتوترات الجيوسياسية.
وتوقع الصندوق ارتفاع التضخم إلى نحو 16.7% خلال النصف الثاني من 2026، مع تأخر عودته إلى نطاق مستهدف البنك المركزي بنحو عام، وفق ما ورد في وثائق المراجعة السابعة لبرنامج الإصلاح الاقتصادي.
إلا أن عددًا من الخبراء يرى أن توصية الصندوق لا تعني بالضرورة رفع أسعار الفائدة في الاجتماع المقبل، وإنما تعكس الحاجة إلى استمرار الحذر ومراقبة التطورات قبل اتخاذ قرار بشأن اتجاه السياسة النقدية.
مورجان ستانلي يترقب خفض الفائدة في الربع الرابع
في المقابل، يرى بنك مورجان ستانلي أن التثبيت سيظل السيناريو الأساسي خلال الفترة المقبلة، مع إمكانية استئناف خفض أسعار الفائدة خلال الربع الرابع من 2026 إذا استمر تحسن مسار التضخم.
وتشير توقعات البنك إلى إمكانية تباطؤ التضخم إلى أقل من 13% بدءًا من أكتوبر، بما قد يمنح البنك المركزي مساحة لخفض الفائدة بنحو 200 نقطة أساس خلال الربع الرابع، مع الحفاظ على سعر فائدة حقيقي موجب.
كما خفض مورجان ستانلي توقعاته للتضخم بنهاية العام إلى 11.8% مقابل 13.5% في تقدير سابق.
«إتش سي»: تحسن الوضع الخارجي يدعم التثبيت
رجحت شركة «إتش سي» للأوراق المالية والاستثمار تثبيت أسعار الفائدة للمرة الرابعة على التوالي، مستندة إلى استمرار الضغوط التضخمية وارتفاع تكاليف الطاقة، رغم تحسن مؤشرات القطاع الخارجي.
وأظهرت بيانات الشركة ارتفاع صافي فائض الأصول الأجنبية لدى البنوك المصرية بنحو 5.04 مليار دولار خلال يونيو، ليصل إلى 27.995 مليار دولار، مقابل 22.957 مليار دولار في مايو.
كما ارتفع صافي الاحتياطي الدولي والودائع غير المدرجة ضمن الاحتياطيات الرسمية معًا بنحو 2.72 مليار دولار خلال يوليو.
كما أشارت «إتش سي» إلى تحسن مؤشرات مخاطر الائتمان، مع تراجع مؤشر مبادلة مخاطر الائتمان لمدة عام إلى نحو 190 نقطة أساس، مقارنة بـ326 نقطة أساس في نهاية مارس.
الفائدة الحقيقية ما زالت جاذبة
رغم ارتفاع التضخم، لا تزال أسعار الفائدة الحقيقية على أدوات الدين المصرية موجبة، وهو ما يمثل عاملًا داعمًا لقرار التثبيت.
وأشارت «إتش سي» إلى أن عائد أذون الخزانة لأجل 12 شهرًا بلغ 25.07%، بما يعادل معدل فائدة حقيقيًا إيجابيًا قدره 6.47% وفق تقديراتها للتضخم، بعد احتساب معدل ضريبة للمستثمرين الأوروبيين والأمريكيين.
ويرى خبراء أن استمرار هذا العائد الحقيقي يمنح البنك المركزي مساحة للمراقبة وعدم اللجوء إلى رفع الفائدة بشكل استباقي، خاصة أن التشديد النقدي يحمل تكلفة إضافية على الموازنة العامة والقطاع الخاص.
هل ينتهي التثبيت بنهاية العام؟
تتباين التوقعات بشأن موعد استئناف خفض الفائدة، إلا أن الاتجاه الغالب يشير إلى أن البنك المركزي قد يواصل التثبيت خلال الفترة القريبة، مع فتح الباب أمام الخفض إذا بدأ التضخم في مسار هبوطي واضح.
وتوقع محمد عبد العال، الخبير المصرفي، استمرار سياسة الانتظار والتثبيت حتى نهاية العام، ما لم تتغير العوامل الرئيسية المؤثرة في السياسة النقدية، فيما رجح أيمن سليمان استمرار التثبيت خلال اجتماعي سبتمبر وأكتوبر بسبب احتمالات ارتفاع التضخم في القراءات المقبلة.
وفي المقابل، يرى علي متولي أن البنك المركزي قد ينتقل تدريجيًا من التثبيت إلى التيسير خلال الاجتماعات المقبلة، إذا استقر التضخم حول مستويات 15%، مع إمكانية خفض الفائدة بنحو 200 إلى 300 نقطة أساس قرب نهاية العام حال ظهور مسار هبوطي واضح للتضخم.
الخلاصة.. المركزي أمام معادلة دقيقة
يدخل البنك المركزي اجتماع 20 أغسطس أمام معادلة معقدة تجمع بين ضرورة احتواء التضخم والحفاظ على جاذبية الجنيه وتدفقات الاستثمار الأجنبي من جهة، ودعم النشاط الاقتصادي وتقليل تكلفة الاقتراض وخدمة الدين من جهة أخرى.
وتشير أغلب التقديرات إلى أن تثبيت أسعار الفائدة هو السيناريو الأقرب في اجتماع الخميس، بينما يظل رفع الفائدة خيارًا احترازيًا يمكن اللجوء إليه إذا ظهرت صدمة تضخمية جديدة، خصوصًا من أسعار الطاقة أو سعر الصرف.
أما خفض الفائدة، فيبدو مؤجلًا إلى حين اتضاح اتجاه التضخم واستقرار سوق الصرف وتراجع المخاطر الخارجية، مع ترجيحات متزايدة بأن تكون نهاية العام نقطة فاصلة في تحديد ما إذا كان البنك المركزي سيستأنف دورة التيسير النقدي أم سيواصل سياسة الانتظار.
ويتبقى بعد اجتماع أغسطس ثلاثة اجتماعات للجنة السياسة النقدية خلال 2026، في 24 سبتمبر و29 أكتوبر و17 ديسمبر، وهي اجتماعات قد تحدد المسار النهائي لأسعار الفائدة خلال العام.
