في عالم تتغير فيه طبيعة الحروب بوتيرة متسارعة، وتتداخل فيه التكنولوجيا مع القدرات القتالية، لم يعد التفوق العسكري مرهونًا بحجم القوات أو ما تمتلكه من أسلحة ومعدات فحسب، بل بات يرتبط بصورة أساسية بقدرة العنصر البشري على التفكير والتحليل واتخاذ القرار المناسب في اللحظة المناسبة.
ومن هذا المنطلق، تضطلع الأكاديمية العسكرية المصرية بمسؤولية تتجاوز حدود التعليم والتدريب التقليديين، لتشمل بناء شخصية الضابط وصقل قدراته الذهنية والبدنية والفنية، وترسيخ قيم الانضباط والمسؤولية والولاء للوطن. فإعداد المقاتل لا يبدأ من ميدان التدريب وحده، بل يمتد إلى تشكيل وعيه، وتطوير طريقة تفكيره، وتعويده على تحمل المسؤولية واتخاذ القرار، بما يضمن جاهزيته لمواجهة تحديات الحاضر ومتطلبات المستقبل.
منظومة متكاملة لبناء الضابط
وفي هذا السياق، استعرض اللواء أركان حرب محمد صلاح التركي، مدير الأكاديمية العسكرية المصرية، فلسفة إعداد وتأهيل الضباط، وآليات تطوير منظومة التعليم والتدريب، إلى جانب القواعد التي تحكم الحياة داخل الأكاديمية، مؤكدًا أن بناء ضابط قادر على حماية الوطن يتطلب منظومة متكاملة تجمع بين العلم والانضباط، واللياقة البدنية والذهنية، والالتزام بقيم الواجب والشرف والوطن.
5 كليات أساسية
وأشار اللواء أركان حرب محمد صلاح التركي إلى أن الأكاديمية العسكرية المصرية تضم خمس كليات أساسية، هي الكلية الحربية، وكلية الدفاع الجوي، والكلية البحرية، والكلية الجوية، والكلية العسكرية التكنولوجية.
إعداد الطالب المقاتل
وعن إعداد الطالب المقاتل، أوضح مدير الأكاديمية العسكرية المصرية، في تصريحات له على هامش تخرج دفعات جديدة من الكليات العسكرية و«دفعة 1 أكاديمية»، أن إعداد الطالب يمتد على مدار أربع سنوات، تبدأ بمرحلة الانتقاء والإعداد، ثم تتواصل خلالها منظومة التعليم والتدريب لبناء ضابط مؤهل لمتطلبات العمل العسكري.
وفي هذا الإطار، تعتمد الأكاديمية خلال الأيام التسعين الأولى على فترة الإعداد المركزي، التي يُبعد خلالها الطالب عن استخدام هاتفه المحمول، ويعيش داخل بيئة الأكاديمية، بما يتيح تقييم قدرته على التكيف مع نمط الحياة العسكرية، والالتزام بقواعدها، وتحمل متطلباتها البدنية والنفسية والاجتماعية.
4 مرتكزات لبناء شخصية الطالب
وأوضح التركي أن الأكاديمية تعمل على ترسيخ أربعة مرتكزات أساسية تشكل نمط الحياة داخلها، وتستهدف بناء شخصية متوازنة قادرة على التفكير والعمل والانضباط وتحمل المسؤولية.
ويتمثل المرتكز الأول في تنشيط العقل، من خلال تعزيز التفكير والتأمل والقراءة والعصف الذهني، وإتاحة الفرصة أمام الطلاب للتعبير عن آرائهم.
أما المرتكز الثاني، فيتمثل في ترسيخ النظام والالتزام بالمواعيد، عبر تنظيم الأنشطة اليومية وفق جدول محدد يبدأ بالاستيقاظ والطوابير والنشاط الرياضي وتحية العلم والإفطار، وصولًا إلى المحاضرات والأنشطة التعليمية والتدريبية.
ويأتي بناء الجسم الصحي القادر على تحمل المشقة في المرتكز الثالث، من خلال التدريب المستمر ورفع مستويات اللياقة البدنية.
ويتمثل المرتكز الرابع في ربط الحياة بهدف واضح، سواء أكان هدفًا قريبًا، مثل اجتياز السنة الدراسية بنجاح، أم متوسط المدى يتمثل في التخرج، أم هدفًا بعيدًا يتمثل في أن يصبح الطالب ضابطًا كفؤًا قادرًا على أداء واجباته بكفاءة واقتدار.
وأكد أن هذه المرتكزات تتكامل في بناء شخصية الطالب، من خلال الربط بين الفكر والسلوك والعادات، مستشهدًا بقاعدة مفادها أن الأفكار تتحول إلى أفعال، والأفعال تتكرر لتصبح عادات، والعادات تسهم في تشكيل الشخصية، التي تؤثر بدورها في مسار الإنسان وقراراته.

تطوير العملية التعليمية والتربوية
وشدد مدير الأكاديمية العسكرية المصرية على أن إعداد الضابط لا يقتصر على التدريب العسكري، بل يمتد إلى تطوير العملية التعليمية والتربوية، بما يسهم في بناء شخصيته، وصقل طريقة تفكيره وسلوكه، وتعزيز قدرته على التنظيم، ورفع كفاءة أدائه في مختلف المهام.
وأوضح أن الأكاديمية تعمل على ترسيخ منظومة متطورة من الانضباط، بالتوازي مع تحديث العملية التعليمية والتدريبية، بما يضمن إعداد ضباط قادرين على التعامل مع متطلبات المرحلة المقبلة.
استخدام تقنيات المحاكاة داخل الكليات العسكرية
وفي إطار تطوير قدرات الطلاب، لفت التركي إلى التوسع في استخدام تقنيات المحاكاة، وتدريبهم على دراسة المواقف وتحليل عناصرها قبل اتخاذ القرارات، من خلال تقييم طبيعة الموقف، والقوات المتاحة، وطبيعة الأرض، والقدرات والإمكانات، والأرقام المقارنة.
الحروب الحديثة وتطوير الفكر العسكري
وأكد التركي أهمية الاستفادة من دروس الحروب الحديثة، ودراسة الأساليب التي استخدمتها الأطراف المختلفة، باعتبارها مصدرًا مهمًا لتطوير الفكر العسكري، ورفع كفاءة التخطيط، وتعزيز قدرة الضابط على اتخاذ القرار المناسب في الظروف المتغيرة.
وأشار مدير الأكاديمية العسكرية المصرية إلى أن الحروب الحديثة تختلف في طبيعتها عن الحروب السابقة، إذ تتجه نحو الاعتماد على قوات محدودة العدد، تتمتع بمستويات متقدمة من التكنولوجيا والمهارة والتدريب، إلى جانب سرعة الانتشار، والقدرة على المناورة، وتطور منظومات القيادة والسيطرة، والتوسع في استخدام القوات الجوية والطائرات المسيّرة.
وأضاف أن ميدان القتال أصبح أكثر مرونة وتغيرًا، بما يسمح بإعادة تشكيل القوات وتوظيف عناصر من وحدات مختلفة وفقًا لمتطلبات المهمة. وتفرض هذه التحولات إعداد ضابط يمتلك القدرة على تقدير الموقف واتخاذ القرار وتنفيذه في التوقيت المناسب، دون الاعتماد الدائم على انتظار التوجيهات من المستويات القيادية الأعلى.
وشدد على أن هذه المتطلبات تستلزم الجمع بين اللياقة البدنية التي تتيح الحركة والانتشار والمناورة، واللياقة الذهنية التي تعزز سرعة الحساب والتقدير واتخاذ القرار، إلى جانب الكفاءة الفنية في التخصص والقدرة على التحمل.
جاهزية القوات المسلحة
وأكد التركي أن جاهزية القوات المسلحة تقتضي الاستعداد للقتال في أي وقت، وهو ما يفرض أن يتوافق التدريب مع طبيعة المعارك الفعلية، حتى لا يجد المقاتل نفسه أمام أساليب قتالية تختلف عما تدرب عليه.
«الواجب والشرف والوطن» أساس الحياة العسكرية
وأكد التركي أن شعار «الواجب والشرف والوطن» يمثل قاعدة أساسية تحكم الحياة العسكرية، ولا تقبل الإخلال بها، موضحًا أن الالتزام بالتعليمات واحترام القواعد ليسا مجرد إجراءات تنظيمية، بل جزء من طبيعة المهنة العسكرية ومتطلباتها.
