
أظهر استطلاع للرأي العام الصيني بعنوان «مصر في عيون الصينيين»، أجراه معهد غلوبال تايمز للأبحاث، أن مصر تتمتع بصورة إيجابية ودرجة مرتفعة من القبول لدى الجمهور الصيني، في وقت تتزايد فيه التطلعات إلى تطوير العلاقات بين القاهرة وبكين وتوسيع مجالات التعاون بين البلدين.
ويكتسب الاستطلاع أهمية خاصة في عام 2026، الذي يتزامن مع مرور 70 عامًا على إقامة العلاقات الدبلوماسية بين مصر والصين عام 1956، وهي المناسبة التي تعكس مسيرة طويلة من العلاقات التي تطورت من الصداقة السياسية إلى الشراكة الاستراتيجية الشاملة.
وأُجري الاستطلاع خلال الفترة من 16 إلى 28 يوليو 2026، وشمل 1845 مشاركًا من عامة الجمهور الصيني، تتراوح أعمارهم بين 18 و69 عامًا، في 31 منطقة إدارية على مستوى المقاطعة في البر الرئيسي الصيني.
الحضارة المصرية تتصدر صورة مصر لدى الصينيين
كشفت نتائج الاستطلاع عن حضور قوي للحضارة المصرية القديمة في الوعي العام الصيني، إذ أفاد 85% من المشاركين بأن لديهم معرفة بمصر بدرجات متفاوتة، بينما قال نحو 40% إنهم يعرفون مصر «معرفة جيدة جدًا» أو «جيدة».
وعند سؤال المشاركين عما يتبادر إلى أذهانهم عند ذكر مصر، جاءت الأهرامات والفراعنة والمومياوات وأبو الهول في المقدمة، بنسبة 66%، فيما أشار 39% إلى مصر باعتبارها مهدًا لحضارة عريقة.
كما ارتبطت صورة مصر لدى المشاركين بعدد من المقومات الجغرافية والاستراتيجية، وفي مقدمتها نهر النيل بنسبة 30%، وقناة السويس بنسبة 20%، والبحر الأحمر والبحر المتوسط بنسبة 8%.
وتكشف هذه النتائج عن أن صورة مصر لدى الجمهور الصيني لا ترتبط فقط بتاريخها القديم، وإنما تمتد إلى موقعها الجغرافي ودورها الاستراتيجي في المنطقة والعالم.
أكثر من 60% يشيدون بالدور المصري في قضايا المنطقة
وأظهر الاستطلاع تقديرًا واضحًا للدور المصري في التعامل مع الأزمات الإقليمية، حيث أشاد أكثر من 60% من المشاركين بالدور الذي تؤديه مصر في جهود الوساطة وتهدئة النزاعات وتنسيق المساعدات الإنسانية والحوار بشأن القضايا الساخنة في الشرق الأوسط، وفي مقدمتها تطورات قطاع غزة.
واعتبر 24% من المشاركين أن الدور المصري «إيجابي للغاية ويساعد على تهدئة النزاعات ودفع السلام»، بينما رأى 37% أن الدور المصري «إيجابي إلى حد كبير» وله تأثير في التواصل والتنسيق الإقليميين.
وتعكس هذه النسب إدراكًا صينيًا متزايدًا للمكانة الإقليمية التي تتمتع بها مصر، باعتبارها دولة محورية في الشرق الأوسط وأفريقيا والعالم العربي، فضلًا عن عضويتها في عدد من الأطر الدولية والإقليمية المهمة.
71% يرون مصر دولة صديقة أو شريكًا استراتيجيًا
على صعيد العلاقات الثنائية، أظهر الاستطلاع أن 71% من المشاركين الصينيين يعتبرون مصر «دولة صديقة» أو «شريك تعاون استراتيجي»، فيما قيّم نحو 63% العلاقات الصينية المصرية الحالية بأنها «جيدة جدًا» أو «جيدة إلى حد كبير».
كما رأى 88% من المشاركين أن الشراكة الاستراتيجية الشاملة بين الصين ومصر مهمة بالنسبة إلى الصين، بينما اعتبر 82% أن مصر شريك مهم للصين في العالم العربي وأفريقيا.
وتؤكد هذه النتائج رسوخ الصورة الإيجابية للعلاقات بين البلدين، التي بدأت رسميًا عام 1956 عندما أصبحت مصر أول دولة عربية وأفريقية تقيم علاقات دبلوماسية مع جمهورية الصين الشعبية.
ومنذ ذلك التاريخ، مرت العلاقات بمحطات مهمة، وصولًا إلى إعلان الشراكة الاستراتيجية الشاملة عام 2014، ثم الزيارة التاريخية للرئيس الصيني شي جين بينغ إلى مصر عام 2016، إلى جانب الزيارات المتبادلة والتواصل المستمر بين قيادتي البلدين.
تعاون يتجاوز السياسة إلى الاقتصاد والتنمية
لم تعد العلاقات المصرية الصينية، وفقًا لنتائج الاستطلاع، محصورة في الإطار السياسي والدبلوماسي، بل أصبح التعاون العملي حاضرًا بصورة متزايدة في إدراك الجمهور الصيني.
وأفاد 85% من المشاركين بأن لديهم معرفة بدرجات مختلفة بالتعاون بين البلدين، فيما أشار 52% إلى معرفتهم بمشاركة مصر في مبادرة الحزام والطريق، بينما يعرف 32% مشروعات البنية الأساسية التي تنفذها الشركات الصينية في مصر، ومن بينها مشروعات النقل والطرق.
كما أظهر الاستطلاع معرفة لدى بعض المشاركين بالتعاون في مجالات أخرى، من بينها معاهد كونفوشيوس، والهواتف المحمولة والأجهزة المنزلية والسيارات الصينية في السوق المصرية.
وأكد 85% من المشاركين أن التعاون بين الصين ومصر حقق نتائج ملموسة منذ إقامة العلاقات الدبلوماسية، فيما رأى 60% أن التعاون الحالي في الاقتصاد والتجارة والبنية الأساسية والقدرات الإنتاجية حقق نتائج واضحة.
واللافت أن 99% من المشاركين يؤيدون استمرار الصين ومصر في تعميق التعاون خلال المرحلة المقبلة، بما يشمل مجالات السياحة والتبادل الإنساني والتنمية الخضراء والطاقة الجديدة والزراعة والأمن الغذائي والتجارة والاستثمار.
السياحة والتبادل الثقافي في مقدمة أولويات التعاون
احتل التعاون الإنساني والثقافي موقعًا متقدمًا في تطلعات الجمهور الصيني، حيث أعرب 94% من المشاركين عن تأييدهم لتطوير التبادل الإنساني والاجتماعي بين البلدين.
وأبدى 52% رغبة في تعزيز التعاون السياحي، فيما أيد 50% استمرار التعاون في مجالات التنقيب الأثري المشترك وحماية الآثار وتبادل المعارض بين المتاحف.
كما أبدى 40% اهتمامًا بتوسيع ترجمة وعرض الأعمال السينمائية والتلفزيونية والأدب الرقمي والمنتجات الثقافية الرقمية، بينما دعا 32% إلى توسيع التبادل بين الباحثين الشباب ومراكز الفكر وطلاب الجامعات.
وتكشف هذه النتائج عن فرصة كبيرة أمام البلدين لتعزيز التواصل الشعبي، خاصة أن 87% من المشاركين أعربوا عن استعدادهم للسفر إلى مصر مستقبلًا للسياحة أو الدراسة أو ممارسة الأعمال، وجاءت السياحة في المقدمة بنسبة 73%.
المنتجات المصرية تحظى باهتمام المستهلك الصيني
امتدت التطلعات الصينية إلى التعاون التجاري والزراعي، حيث أعرب 89% من المشاركين عن استعدادهم لشراء وتجربة المنتجات المصرية إذا أصبحت متاحة بصورة أكبر في السوق الصينية.
وتشمل هذه المنتجات الفواكه والمنتجات الزراعية والقطن والكتان والحرف اليدوية، وهو ما يعكس وجود فرصة أمام مصر لزيادة صادراتها إلى السوق الصينية، والاستفادة من حجم الطلب والاهتمام بالمنتجات المصرية.
ويرى مراقبون أن توسيع هذا التعاون يمكن أن يفتح مجالات جديدة أمام العلاقات الاقتصادية، خاصة في ظل توجه البلدين نحو زيادة الاستثمارات وتعزيز سلاسل الإمداد والتعاون في الأمن الغذائي والطاقة والصناعة.
تعاون مصري صيني في الحوكمة العالمية
لم تتوقف تطلعات المشاركين عند العلاقات الثنائية، بل امتدت إلى التعاون في القضايا الدولية والإقليمية، إذ رأى أكثر من 93% من المشاركين أن الصين ومصر بحاجة إلى تعزيز التعاون في مجال الحوكمة العالمية خلال السنوات المقبلة.
وجاء التعاون لضمان أمن الملاحة في البحر الأحمر وقناة السويس في مقدمة الأولويات بنسبة 37%، فيما أعرب 35% عن أملهم في أن يعمل البلدان معًا لدعم الأمن والاستقرار في الشرق الأوسط ودفع التسوية السلمية للقضية الفلسطينية والصراعات الإقليمية.
كما أيد 33% تعزيز التعاون بين البلدين في أطر مثل مجموعة بريكس والأمم المتحدة للدفاع عن مصالح دول الجنوب العالمي، بينما رأى 31% أهمية المشاركة الصينية المصرية في الجهود الدولية لمكافحة الفقر.
«احترام متبادل» بين حضارتين عريقتين
وترى ميرا أحمد، مترجمة الأدب المصري وعضو المجلس العالمي لعلماء الصينيات، أن الصورة الإيجابية التي يحملها الصينيون عن مصر ترتبط بعوامل تاريخية وثقافية، مؤكدة أن الحضارتين المصرية والصينية تمثلان من أقدم الحضارات الإنسانية، وأن معرفة كل شعب بحضارة الآخر أسهمت في بناء أرضية مشتركة للتفاهم.
كما أشار ليو تشونغ مين، الأستاذ في معهد دراسات الشرق الأوسط بجامعة شانغهاي للدراسات الدولية، إلى أن جذور التقارب الصيني المصري تعود إلى خمسينيات القرن الماضي، لافتًا إلى الدور الذي لعبته الاتصالات بين القيادتين المصرية والصينية خلال مؤتمر باندونغ، والدعم الصيني لمصر في استعادة حقوقها في قناة السويس، وما جمع البلدين من مواقف تجاه الاستعمار والهيمنة.
ويرى ليو أن التطور الذي شهدته العلاقات خلال العقود الأخيرة، خاصة في ظل الشراكة الاستراتيجية الشاملة والتعاون الاقتصادي والثقافي، أسهم في ترسيخ الصورة الإيجابية لمصر لدى المجتمع الصيني.
70 عامًا من العلاقات.. وآفاق جديدة للشراكة
وتشير نتائج الاستطلاع إلى أن العلاقات المصرية الصينية تدخل عامها السبعين وهي تستند إلى قاعدة واسعة من الثقة والتفاهم والمصالح المشتركة، مع انتقال التعاون من العلاقات الحكومية إلى مستويات أوسع تشمل الاقتصاد والثقافة والسياحة والتعليم والتكنولوجيا والتنمية.
كما تعكس النسب المرتفعة للتأييد الشعبي الصيني لتعميق التعاون أن الشراكة بين القاهرة وبكين لم تعد مجرد علاقة دبلوماسية تقليدية، وإنما أصبحت نموذجًا للتعاون بين دولتين تنتميان إلى الجنوب العالمي، وتمتلك كل منهما مقومات وقدرات يمكن أن تتكامل مع الأخرى.
وبينما تواصل مصر والصين تطوير علاقاتهما الثنائية، يبدو أن السبعة عقود الماضية تمثل قاعدة لانطلاقة جديدة، عنوانها توسيع التعاون الاقتصادي، وتعزيز التواصل الشعبي، ودعم السلام والاستقرار، والعمل المشترك في قضايا الحوكمة العالمية والتنمية.
ومن النيل إلى اليانغتسي، تؤكد نتائج استطلاع «مصر في عيون الصينيين» أن العلاقات بين البلدين لا تستند فقط إلى إرث تاريخي طويل، وإنما تمتلك أيضًا رصيدًا متناميًا من القبول الشعبي ورؤية مشتركة لمستقبل أكثر اتساعًا للتعاون والشراكة.
