
يمثل نوبار أفايان، رجل الأعمال والعالم من أصل أرمني، والمولود في بيروت لأبوين أرمنيين، أحد أبرز الأسماء المرتبطة بمسيرة التكنولوجيا الحيوية الحديثة، بعدما أسهم في تأسيس Moderna وتولى رئاسة مجلس إدارتها، إلى جانب تأسيس شركة Flagship Pioneering التي أسهمت في إطلاق Moderna.
وارتبط اسم Moderna عالميًا خلال جائحة كوفيد-19 بتطوير لقاح mRNA-1273، الذي عُرف لاحقًا باسم Spikevax، وأصبح واحدًا من أوائل لقاحات تقنية mRNA التي حصلت على ترخيص للاستخدام ضد فيروس كورونا المستجد.
وشكل نجاح هذه التقنية نقطة تحول مهمة في مجال الطب الحديث، بعدما أثبتت إمكانية استخدام تقنية mRNA على نطاق واسع في تطوير اللقاحات والعلاجات، وفتحت الباب أمام أبحاث جديدة تتجاوز الوقاية من الأمراض المعدية إلى مجالات علاجية أكثر تعقيدًا.
من لقاحات كورونا إلى علاج السرطان
واليوم، تنتقل تقنية mRNA إلى مجال مختلف يتمثل في استكشاف إمكاناتها لعلاج السرطان بصورة شخصية، بما يعكس التطور المتسارع في مفهوم الطب الدقيق والعلاجات المصممة وفق الخصائص البيولوجية والجينية لكل مريض.
وفي هذا السياق، أعلنت Moderna وMerck نتائج إيجابية للمرحلة الثالثة من تجربة INTerpath-001 لعلاج intismeran autogene (V940)، بالاشتراك مع Keytruda، لدى مرضى الميلانوما مرتفعة الخطورة بعد استئصال الورم.
وحققت التجربة نقطتيها الرئيسيتين المتعلقتين بـالبقاء دون عودة المرض والبقاء دون ظهور نقائل بعيدة، في خطوة تمثل تطورًا مهمًا في مسار البحث عن علاجات أكثر استهدافًا للسرطان.
وتقوم الفكرة الأساسية لهذا النهج العلاجي على تصميم علاج يعتمد على تقنية mRNA وفق الخصائص الجينية الخاصة بورم كل مريض، بهدف مساعدة جهاز المناعة على التعرف إلى الخلايا السرطانية ومهاجمتها بصورة أكثر دقة.
ولا يزال هذا العلاج تجريبيًا ولم يتحول إلى علاج معتمد للاستخدام العام، إلا أن نتائج المرحلة الثالثة تمثل خطوة مهمة في مسار تطوير الطب الشخصي للسرطان، وتكشف عن الإمكانات الواسعة التي يمكن أن تتيحها تقنية mRNA في المستقبل.
جذور أرمنية وحضور إنساني وعلمي
وتكتسب قصة نوبار أفايان بُعدًا إضافيًا من جذوره الأرمنية، إذ لم يقتصر نشاطه على مجال التكنولوجيا الحيوية والابتكار العلمي، وإنما ارتبط اسمه أيضًا بعدد من المبادرات العلمية والإنسانية والتعليمية ذات الصلة بأرمينيا والعالم الأرمني.
ومن بين هذه المبادرات Aurora Humanitarian Initiative، وFAST Foundation، وUWC Dilijan، وهي مشروعات تعكس اهتمامه بدعم العمل الإنساني والتعليم والعلوم والابتكار.
وتكشف هذه المسيرة عن نموذج للحضور الأرمني في المجالات العلمية والتكنولوجية على المستوى العالمي، حيث استطاع أفايان أن يجمع بين البحث والابتكار وريادة الأعمال، وأن يحول الأفكار العلمية إلى مشروعات ذات تأثير عالمي واسع.
إرث علمي يتجاوز جائحة كورونا
وهكذا تمتد مسيرة نوبار أفايان من تأسيس Moderna والمساهمة في ثورة لقاحات mRNA خلال جائحة كورونا، إلى مرحلة جديدة تستكشف الإمكانات العلاجية للتقنية نفسها في مواجهة السرطان.
وبينما شكلت لقاحات mRNA واحدة من أبرز التحولات العلمية التي ارتبطت بجائحة كوفيد-19، تفتح الأبحاث الحالية الباب أمام استخدام التقنية في مجالات أكثر تخصصًا، وعلى رأسها الطب الشخصي وعلاجات السرطان المصممة وفق الخصائص الجينية للورم.
ومن هنا، لا تبدو قصة نوبار أفايان مجرد قصة رجل أعمال نجح في بناء شركة تكنولوجية حيوية ذات تأثير عالمي، وإنما قصة مسار علمي وإنساني يجسد كيف يمكن للابتكار أن ينتقل من المختبر إلى حياة الملايين، وكيف يمكن لتقنية واحدة أن تبدأ باللقاحات، ثم تواصل رحلتها نحو آفاق علاجية جديدة.
وتجعل هذه المسيرة من نوبار أفايان نموذجًا بارزًا للحضور الأرمني في العلم والابتكار العالمي، وشاهدًا على الدور الذي يمكن أن يلعبه العلماء ورواد الأعمال من أصول أرمنية في صياغة مستقبل التكنولوجيا والطب، مع استمرار ارتباطهم بجذورهم ومجتمعاتهم ومبادراتهم الإنسانية والتعليمية.
