
لمحات
لم يكن اجتماع الرئيس عبد الفتاح السيسي القائد الاعلى للقوات المسلحة ، أمس، في مقر القيادة الاستراتيجية بالعاصمة الجديدة، اجتماعًا عابرًا أو لقاءً تقليديًا بين رئيس الدولة والحكومة ؛ فالمشهد نفسه كان يحمل رسالة واضحة، حين اجتمع رئيس مجلس الوزراء ومجلسا الوزراء والمحافظين بكامل هيئتهما، و قادة الافرع الرئيسية للقوات المسلحة وكبار قادة القوات المسلحة والشرطة المدنية، إلى جانب عدد من عمد ومشايخ القرى والنجوع وممثليها، فضلًا عن عدد من الخبراء والمتخصصين.
كان المشهد أشبه بصورة مصغرة لمصر بكل مؤسساتها وطبقاتها وقرآها ومدنها.. من صانع القرار إلى الجندي، ومن المحافظ والمسؤول إلى عمدة القرية والشيخ وممثل المواطن البسيط.
لكن بين كل ما قيل في هذا الاجتماع، توقفت كثيرًا أمام رسالة شديدة الأهمية للرئيس السيسي، عندما أكد أن “أقل الوسائل تكلفةً لتدمير أي دولة هو محاولة استدراج شعبها للقيام بتلك المهمة”، مشددًا في الوقت نفسه على قوة الدولة المصرية بمؤسساتها ووعي شعبها، وعلى أن الحفاظ على مصر مسؤولية جماعية، وأن تماسك الجبهة الداخلية يحتاج إلى تضافر جهود المؤسسات والمواطنين.
وهنا تحديدًا تكمن القضية فالدول لا تُحمى فقط بالأسلحة والطائرات والدبابات والصواريخ، وإنما تُحمى أيضًا بوعي شعوبها، وثقتها في مؤسساتها، وقدرتها على التمييز بين النقد المسؤول والشائعات، وبين المطالبة بالحقوق ومحاولات بث الإحباط واليأس، وبين الاختلاف الطبيعي ومحاولات تفكيك المجتمع من الداخل.
ولذلك فإن وعي المصريين ليس قضية إعلامية فقط، وإنما جزء من منظومة الأمن القومي.
الجيش.. درع وسيف يحمي مقدرات المصريين
وفي قلب هذه المنظومة تأتي القوات المسلحة المصرية، التي كانت وستظل درع الوطن وسيفه، والحصن الذي يصون مقدرات الشعب المصري العظيم ويحمي حدود الدولة وسيادتها وأمنها.
والحديث عن القوات المسلحة لا يعني أن الدولة تُختزل في المؤسسة العسكرية، بل يعني إدراك حقيقة أساسية: أن لكل مؤسسة دورها، وأن القوات المسلحة تؤدي مهمتها الوطنية في حماية البلاد، بينما تتحمل الحكومة مسؤولية الاقتصاد والخدمات والتنمية، وتقوم الشرطة بحفظ الأمن الداخلي، وتعمل مؤسسات التعليم والدين والإعلام والثقافة على بناء وعي الإنسان والمجتمع.
وهنا يصبح التفاف الشعب حول قواته المسلحة أمرًا يتجاوز مجرد المشاعر الوطنية؛ فهو يعني الثقة في الجيش الوطني باعتباره مؤسسة ملكًا للشعب، تعمل لحماية الدولة وصون مقدراتها.
فالجيش والشعب ليسا طرفين منفصلين، وإنما علاقة وطنية ممتدة؛ الجندي المصري ابن هذا الشعب، والأسرة التي تودع ابنها في القوات المسلحة هي نفسها الأسرة التي يعيش من أجلها هذا الجندي ويدافع عن أرضها وأمنها ومستقبل أبنائها ، ومن هنا فإن الحفاظ على تماسك هذه العلاقة يمثل أحد عناصر قوة الدولة المصرية.
مصر ليست العاصمة وحدها ، ولعل من أهم دلالات اجتماع الأمس أن الرئيس لم يتحدث فقط عن الملفات الكبرى، وإنما فتح الباب أمام صوت القرية والنجع ، عُمد ومشايخ وممثلون عن قرى مختلفة كانوا جزءًا من المشهد، بما يعكس إدراكًا بأن مصر لا تبدأ من العاصمة وتنتهي عند حدود المدن الكبرى، وإنما تمتد من القاهرة إلى أصغر قرية ونجع، ومن العامل والفلاح إلى الطالب والموظف، ومن الأسرة المصرية البسيطة إلى مؤسسات الدولة.
وهذه النقطة شديدة الأهمية؛ لأن المواطن عندما يشعر أن صوته مسموع، وأن مشكلاته اليومية محل اهتمام، وأن مؤسسات الدولة تعمل من أجله، يصبح أكثر ارتباطًا بوطنه وأكثر قدرة على مواجهة محاولات بث الإحباط واليأس.
بناء الإنسان.. جزء من بناء الدولة
اللافت كذلك أن الاجتماع لم يتوقف عند الأمن بمفهومه التقليدي، وإنما امتد إلى التعليم والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي ودور المؤسسات الدينية والخدمات وتحسين أداء مؤسسات الدولة.
وهذا يعني أن مفهوم قوة الدولة الشاملة أصبح أوسع من مجرد امتلاك أدوات القوة الصلبة.
فالدولة القوية هي التي تمتلك جيشًا قويًا، واقتصادًا قادرًا، ومؤسسات تعمل بكفاءة، وتعليمًا يواكب المستقبل، وشبابًا يمتلك المعرفة، ومجتمعًا يحافظ على تماسكه.
ومن هنا تأتي أهمية الحديث عن الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا والتعليم؛ لأن معركة المستقبل لن تكون فقط على الأرض، وإنما أيضًا في المعرفة والاقتصاد والتكنولوجيا والمعلومات.
المواطن أولًا.. حتى في التفاصيل الصغيرة
ولعل ما حدث في ملف المرور اليوم يقدم نموذجًا عمليًا لفكرة أن قوة الدولة لا تنفصل عن علاقتها بالمواطن.
فقد أعلنت وزارة الداخلية، تنفيذًا لتوجيهات الرئيس السيسي، حزمة إجراءات جديدة لتيسير استخراج وتجديد تراخيص القيادة والمركبات، من بينها تطبيق نظام الشباك الواحد والتحصيل الإلكتروني، وعدم تحصيل أي مبالغ إضافية أثناء إنهاء إجراءات الترخيص تحت أي مسمى، إلى جانب إلغاء اشتراط تقديم بعض معدات السلامة والطوارئ عند إصدار أو تجديد التراخيص. ومن المقرر بدء التشغيل التجريبي لهذه الإجراءات اعتبارًا من أول أكتوبر.
كما أعلنت الوزارة خفض تكاليف إصدار وتجديد رخص القيادة بما يصل إلى 500 جنيه، وخفض تكاليف تراخيص السيارات بما يتراوح بين 400 و600 جنيه وفقًا لنوع المركبة وإجراءات الترخيص.
قد تبدو هذه الإجراءات للبعض مجرد تفاصيل مرتبطة بالمرور، لكنها في الحقيقة تمثل جانبًا من علاقة المواطن بمؤسسات دولته؛ فكلما أصبحت الخدمة أكثر سهولة ووضوحًا وأقل تكلفة، شعر المواطن بأن الدولة موجودة إلى جواره في تفاصيل حياته اليومية الالتفاف حول الدولة يبدأ من فهم الحقيقة
وهنا نصل إلى النقطة الأهم.
الالتفاف حول القوات المسلحة والدولة لا يعني أن يتوقف المواطن عن طرح الأسئلة أو المطالبة بتحسين الخدمات، وإنما يعني أن يكون واعيًا، وأن يعرف أن وطنه أكبر من أي أزمة عابرة، وأن الخلاف حول قرار أو سياسة لا يجب أن يتحول إلى خصومة مع الدولة ومؤسساتها.
يمكن للمواطن أن يطالب، وينتقد، ويقترح، ويختلف.. لكن في الوقت نفسه يحافظ على وطنه، ويحمي مجتمعه من الشائعات، ولا يسمح بأن يتحول غضبه الطبيعي من مشكلة أو أزمة إلى أداة لهدم ما بناه المصريون عبر عقود.
وهنا تصبح مسؤولية الدولة أيضًا أن تستمع للمواطن، وتشرح له، وتواجه المشكلات بشفافية، وتعمل على تحسين الخدمات، وأن يشعر المواطن بأن مؤسسات بلاده موجودة لخدمته وحماية حقوقه.
فالثقة لا تُبنى بالكلمات وحدها، وإنما بالأفعال.
مصر تُبنى من الداخل
رسالة اجتماع القيادة الاستراتيجية، في تقديري، يمكن اختصارها في فكرة واحدة: أن بناء الدولة لا يكون بالحجر وحده، وإنما بالإنسان أيضًا.
جيش قوي يحمي الحدود والمقدرات..
شرطة تحمي الأمن الداخلي..
حكومة تعمل على الاقتصاد والخدمات..
تعليم يبني الإنسان..
مؤسسات دينية تعزز القيم..
إعلام يرفع الوعي..
وتكنولوجيا تفتح أبواب المستقبل..
وفوق ذلك كله شعب واعٍ يعرف قيمة وطنه.
هذه هي معادلة القوة الحقيقية.
فالقوات المسلحة المصرية هي درع مصر وسيفها، والشرطة درع الأمن الداخلي، ومؤسسات الدولة جميعها تعمل في مسارات مختلفة، لكن الحماية الأكبر لأي وطن تبدأ عندما يلتقي كل ذلك مع شعب واعٍ ومتماسك.
وفي النهاية، تبقى مصر أكبر من أي ظرف، وأبقى من أي أزمة، وأقوى عندما يتكاتف أبناؤها.
مصر لا تحميها مؤسسة واحدة.. وإنما تحميها دولة بمؤسساتها، وجيشها، وشرطتها، وشعبها.. وحين يلتف المصريون حول وطنهم ومؤسساتهم الوطنية، تصبح الجبهة الداخلية نفسها خط دفاع عن الدولة.
ومصر، كما قال الرئيس، مسؤولية جماعية.. ولذلك فإن الحفاظ عليها أيضًا مسؤولية كل مصري، من الجندي الذي يقف على الحدود، إلى العامل في مصنعه، والفلاح في أرضه، والمعلم في مدرسته، والطبيب في مستشفاه، والمواطن في قريته ومدينته.
وطن يُبنى بسواعد أبنائه.. ويُحمى بوعيهم.. وتصونه مؤسساته.. وتحرسه قواته المسلحة، درعًا وسيفًا لمصر وشعبها العظيم.
بقلم / احمد دياب
a ahmed.diab7k@gmail.com
