
في لحظة إقليمية شديدة التعقيد، تتسارع فيها وتيرة الأزمات والصراعات العسكرية، وتتشابك فيها التهديدات التقليدية مع المخاطر المستحدثة، عاد ملف الأمن العربى إلى صدارة الأولويات، بوصفه خط الدفاع الأول عن استقرار المجتمعات العربية ووحدة مؤسساتها الوطنية.
وفي هذا السياق، حذر اللواء محمود توفيق وزير الداخلية – خلال مشاركته في فعاليات الدورة الـ 43 لاجتماعات مجلس وزراء الداخلية العرب، والتي عقدت عبر الاتصال المرئي الأسبوع الماضي – من خطورة تداعيات الاضطرابات الإقليمية، وما تخلّفه من بيئة مواتية لتنامي خطاب الكراهية والتطرف، فضلًا عن محاولات التنظيمات الإرهابية استثمار حالة السيولة الأمنية والسياسية، لإعادة إنتاج نفسها وتوسيع نطاق تهديدها.
وناقشت الدورة الـ 43 لاجتماعات مجلس وزراء الدخلية العرب هذه التحديات في ظل تصاعد التوترات والاعتداءات التي طالت عددًا من الدول العربية ودول المنطقة.
اضطرابات الإقليم..مناخ خصب لخطاب الكراهية والتطرف
إن التحولات الجيوسياسية المتلاحقة في المنطقة، لم تعد تقتصر آثارها على حدود المواجهات العسكرية المباشرة، بل امتدت إلى المجالين الاجتماعي والفكري؛ حيث تساهم أجواء الاستقطاب الحاد واحتدام الصراع في تغذية خطاب الكراهية، وفتح المجال أمام دوائر التشدد لتكثيف حضورها وتأثيرها، وهو ما تستغله الجماعات المتطرفة، وفي مقدمتها تنظيم (الإخوان) الإرهابي.
ومن هذا المنطلق، جاء التحذير المصري من أن تداعيات الاضطرابات الإقليمية، تسهم بصورة مباشرة في تصاعد التطرف، بما يفرض على الدول العربية التحرك وفق رؤية جماعية تحاصر أسباب الانفلات، قبل تحوله إلى تهديد واسع النطاق يصعب احتواؤه.
ولا تنفصل هذه المخاوف عن مشهد أوسع تشهده المنطقة، في ظل تصاعد العمليات العسكرية بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جانب، وإيران من جانب آخر، واتساع دائرة الاعتداءات الإيرانية التي استهدفت دولًا خليجية ودولًا عربية، وهي تطورات أكدت المواقف العربية الرسمية، أنها تعد تهديدًا مباشرًا لأمن المنطقة واستقرارها، وانتهاكًا للمواثيق الدولية، بما يزيد من هشاشة البيئة الأمنية ويمنح الفاعلين العنيفين فرصًا إضافية للتحرك والتأثير.
الإرهاب يعيد تشكيل أدواته في زمن التكنولوجيا
والخطر الإرهابي اليوم لم يعد مرتبطًا فقط بالتحركات الميدانية أو الخلايا التقليدية، وإنما بات أكثر قدرة على التكيف مع التحولات الحديثة، من خلال توظيف التكنولوجيا الرقمية ووسائط التواصل الحديثة في الانتشار والتجنيد وبناء دوائر التأثير.
وحذرت مصر من أن التنظيمات الإرهابية تجيد استغلال الاضطرابات الإقليمية، وتطويع التكنولوجيا الحديثة للانتشار واستقطاب عناصر جديدة، فضلًا عن السعي إلى توفير مصادر تمويل غير مشروعة لتنفيذ مخططاتها العدائية ضد الدول والمجتمعات.
ويكشف هذا التحول، عن أن المواجهة الأمنية لم تعد تقتصر على الحدود والمنافذ والإجراءات التقليدية، بل أصبحت معركة وعي ومعلومات وقدرة على الرصد المبكر والتتبع الرقمي والتجفيف المالي، فالتنظيمات المتطرفة تستفيد من الفضاء الإلكتروني في صناعة روايات مضللة، وتدوير محتوى تحريضي، والوصول إلى الفئات الأكثر هشاشة، بما يفرض على المؤسسات الأمنية العربية ضرورة تحديث أدواتها باستمرار وتوسيع شراكاتها الاستخباراتية والتقنية.
