من هو النحات الذي أنجز التمثال النصفي لبوغوص يوسوفيان، والذي أهدته الجمعية الخيرية الأرمنية في مصر إلى وزارة الخارجية المصرية؟
إنه سركيس طوسونيان، أحد النحاتين الأرمن المصريين البارزين، وفنان إسكندري ارتبط اسمه لأكثر من أربعة عقود بالحركة التشكيلية المصرية المعاصرة، وقدم خلال مسيرته الفنية تجربة خاصة تجمع بين الإنسان والحضارة والذاكرة.
وُلد سركيس طوسونيان في الإسكندرية عام 1953، وتخرج في كلية الفنون الجميلة بالإسكندرية، قسم النحت، عام 1979. ومنذ عام 1980، شارك في أكثر من 150 معرضًا داخل مصر، إلى جانب مشاركات دولية في قبرص وإيطاليا واليابان والسودان ورومانيا وفرنسا واليمن، ليؤكد حضوره ضمن المشهد التشكيلي المصري والعربي والدولي.
وخلال مسيرته، حصل طوسونيان على الجائزة الثانية في النحت في بينالي بورسعيد عام 2001، قبل أن ينال الجائزة الأولى في الدورة نفسها عام 2005. كما أنه عضو في نقابة الفنانين التشكيليين المصريين وأتيليه الإسكندرية، ومنذ عام 2008 ارتبط اسمه بجاليري سفركان.
ويتميز طوسونيان في أعماله باستخدام البرونز، مع المزج بين الأسطح المطفأة والنحاس الأصفر المصقول، مستفيدًا من التفاعل بين الضوء والظل لإبراز تفاصيل الشكل ومنح منحوتاته حضورًا بصريًا متغيرًا، يجعل العمل الفني في حالة تفاعل مستمر مع المكان والمتلقي.
ويحتل الشكل الإنساني مكانة محورية في تجربته الفنية، إلى جانب أعماله في الجرانيت والحجر. وتعكس هذه التجربة ارتباطه العميق بمدينة الإسكندرية وتراثها، وتأثره بالحضارتين اليونانية والرومانية، فضلًا عن انشغاله الدائم بالعلاقة بين الماضي والحاضر، والتراث والفن المعاصر.
واقتُنيت أعمال سركيس طوسونيان في عدد من المؤسسات والمواقع الفنية المصرية البارزة، من بينها متحف الفن المصري الحديث، وحديقة الحرية، ومتحف أسوان الدولي المفتوح للنحت، ومكتبة الإسكندرية، إلى جانب مقتنيات خاصة داخل مصر وخارجها.
ويأتي التمثال النصفي لبوغوص يوسوفيان ليضيف محطة جديدة إلى مسيرة طوسونيان الفنية؛ فإلى جانب القيمة الفنية للعمل، يستحضر التمثال شخصية أرمنية ارتبطت بتاريخ مصر الحديث، ليصبح العمل مساحة يلتقي فيها الفن بالذاكرة، والتاريخ بالهوية، والإسهام الأرمني بتاريخ مصر.
وفي هذا العمل تحديدًا، تتجاوز النحت حدود الشكل لتلامس الذاكرة التاريخية؛ فتمثال بوغوص يوسوفيان لا يستحضر شخصية من الماضي فحسب، وإنما يعيد تقديمها في فضاء مؤسسة مصرية عريقة، في سياق يوثق حضور الأرمن وإسهاماتهم في مسيرة الدولة المصرية الحديثة.
وهنا تلتقي براعة طوسونيان الفنية مع الذاكرة التاريخية للأرمن في مصر: فن يحفظ التاريخ، وتاريخ يتحول إلى فن، وجسر ثقافي يجمع الأرمن ومصر.
فسركيس طوسونيان ليس مجرد نحات بارع في البرونز والحجر؛ إنه فنان تشكلت رؤيته في الإسكندرية، وحمل في أعماله حوارًا مستمرًا بين الحضارات والإنسان والزمن. وفي تجربته يلتقي الأرمني بالمصري، والإسكندري بالمتوسطي، والكلاسيكي بالمعاصر، لتتحول المنحوتة إلى لغة قادرة على حفظ الذاكرة والتعبير عن هوية متعددة الطبقات.
ومن هنا يكتسب تمثال بوغوص يوسوفيان خصوصيته؛ فهو عمل فني يحمل في ملامحه شخصية تاريخية، وفي دلالته صفحة من صفحات مصر الحديثة، وفي مكانه داخل وزارة الخارجية المصرية شاهدًا على تاريخ مشترك، يؤكد أن الفن يمكن أن يكون أحد أهم الجسور التي تصل الماضي بالحاضر، وتحفظ للأجيال القادمة ذاكرة الإسهام الأرمني في مصر.
