السبت, أبريل 25, 2026
رئيس مجلس الإدارة د/احمد فزارة
رئيس التحرير أحمد دياب
الرئيسيةمنوعاتكتاب يكشف الحقيقة.. شهادة حفيد مسؤول عن الإبادة الأرمنية

كتاب يكشف الحقيقة.. شهادة حفيد مسؤول عن الإبادة الأرمنية

 

لا يظل الاعتراف، حين يصدر من أصحابه، مجرد تعبير رمزي، بل يتحول إلى محطة مفصلية على طريق العدالة، وإلى خطوة نحو بناء سلام قائم على الحقيقة لا الإنكار. فمواجهة الماضي تتطلب شجاعة أخلاقية، وقدرة على مراجعة الذات وتسميتها للأشياء كما هي دون تزييف.

من هذا المنطلق، يقدّم Hasan Cemal، الصحفي التركي وحفيد جمال باشا، شهادة إنسانية استثنائية في كتابه، الذي لا يندرج ضمن الدراسات التاريخية التقليدية، بل يتخذ شكل رحلة داخلية عميقة لمواجهة إرث عائلي وتاريخي معقد.

وفي مستهل كتابه، يطرح جمال تساؤلًا وجوديًا: هل يمكنه الاستمرار في حياته دون مواجهة ماضي عائلته وبلاده؟ كما يتساءل إن كان ما يقوم به سيُفهم باعتباره تعبيرًا صادقًا أم يُفسر على أنه محاولة لإظهار البطولة. إلا أن هذه الشكوك تتبدد تدريجيًا مع تطور تجربته، خاصة عقب اغتيال Hrant Dink، وزياراته إلى العاصمة الأرمنية يريفان.

هناك، أمام نصب الإبادة الجماعية، وقف جمال واضعًا الزهور، في محاولة إنسانية لاستشعار الألم الأرمني ومشاركته، وهي لحظة يصفها بأنها شكلت تحولًا داخليًا عميقًا، أدرك خلالها أن التاريخ، وإن كان لا يمكن تغييره، إلا أن مواجهته تظل واجبًا لا مفر منه.

ومن هذا المنطلق، يتحول الكتاب إلى مساحة نقد ذاتي صريح، يعيد من خلالها الكاتب تقييم مواقفه السياسية السابقة، ويكشف كيف تغيّر إدراكه لأحداث عام 1915 عبر الزمن.

ويؤكد جمال أن الإشكالية لا تتوقف عند الماضي، بل تمتد إلى “تاريخ مُشوّه” ما زال يؤثر في الحاضر، مشددًا على أن تحقيق السلام والديمقراطية يظل مرهونًا بالاعتراف بالحقيقة والتصالح معها، مهما كانت مؤلمة.

ويمثل الكتاب، في جوهره، رحلة بحث عن “تاريخ مفقود”، وشهادة حية على أن مواجهة الحقيقة ليست خيارًا بل ضرورة إنسانية وأخلاقية.

وفي مقدمة الكتاب، يكتب:

جلستُ أمام الحاسوب لأكتب هذا الكتاب، وقلت لنفسي إنني لا أستطيع أن أعيش دون مواجهة الماضي.
تدفقت في ذهني مشاعر متضاربة وتساؤلات عديدة: هل سيُنظر إلى هذا العمل باعتباره انتهازية أو استعراضًا للبطولة؟ وهل سيقبل الأرمن مشاركة آلامهم مع حفيد جمال باشا؟

ويستعيد الكاتب لحظة وقوفه في يريفان، حين أشرقت الشمس بلونها القرمزي فوق المدينة، بينما كان يضع الزهور عند النصب التذكاري، مخاطبًا هرانت دينك بكلمات مؤثرة، مؤكدًا سعيه لمشاركة الألم الأرمني والشعور به.

ويشير إلى أن تلك اللحظة، تحت ظل جبل أرارات، كانت بمثابة إدراك حاسم بأن “التاريخ لا يمكن تغييره، لكن يجب مواجهته”.

ويستدعي جمال نماذج من التاريخ، منها مذبحة أمريتسار عام 1919، واعتذار الملكة Elizabeth II، ليؤكد أن مواجهة الماضي تمثل شرطًا أساسيًا للتقدم نحو المستقبل.

ويشدد على أن ألم عام 1915 لا يزال حاضرًا، وأن الصمت تجاهه أو تشويهه لا يؤدي إلا إلى إطالة معاناة الشعوب، مؤكدًا أن السلام الحقيقي لا يتحقق إلا عبر مصالحة صادقة مع التاريخ الحقيقي، بعيدًا عن التزييف أو الاستغلال.

وفي ختام المقدمة، يستشهد بقول Paul Auster، الذي يدعو إلى الحديث قبل فوات الأوان، ليعلن بداية رحلته في كتابة كتابه، بحثًا عن “تاريخنا المفقود”.

حسن جمال
إسطنبول – 25 فبراير 2012.

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

احدث التعليقات

الأكثر قراءة