السبت, أكتوبر 17, 2026
رئيس التحرير أحمد دياب
الرئيسيةمقالاتأرمينيا التي أحببتها.. من ذاكرة التاريخ إلى آفاق الشراكة مع مصر

أرمينيا التي أحببتها.. من ذاكرة التاريخ إلى آفاق الشراكة مع مصر

حازم الملاح يكتب : ثلاث زيارات إلى أرمينيا تكشف جمال الطبيعة وعمق الذاكرة الإنسانية وفرص التعاون الاقتصادي والثقافي بين القاهرة ويريفان

هناك بلدان نزورها فتبقى في ذاكرتنا، وأخرى تترك في أرواحنا أثرًا لا تمحوه السنوات، فنعود إليها بقلوبنا كلما استعدنا شوارعها ووجوه أهلها وجمال طبيعتها وحكايات تاريخها. وأرمينيا واحدة من تلك البلدان التي لم تكن بالنسبة لي مجرد وجهة للسفر، بل تجربة إنسانية وثقافية وتاريخية جعلتني أراها بمنظور مختلف، وأستعيد تفاصيلها كلما تأملت العلاقات بين الشعوب وقدرة التاريخ على الإسهام في صناعة الحاضر والمستقبل.

زرت أرمينيا ثلاث مرات، وفي كل زيارة وجدت حكاية جديدة تستحق التأمل. غير أن إحدى هذه الزيارات ارتبطت بذكرى إنسانية مؤثرة، حين كنت هناك عام 2015، بالتزامن مع مرور مائة عام على الإبادة الجماعية للأرمن. كانت تجربة تضع الإنسان أمام أسئلة الذاكرة والعدالة والكرامة الإنسانية، وتؤكد أن التاريخ ليس مجرد أحداث مضت، بل مسؤولية أخلاقية تجاه الحاضر والمستقبل، وأن احترام آلام الشعوب وذاكرتها يمثل جزءًا أصيلًا من بناء عالم أكثر إنسانية وسلامًا.

في تلك الأجواء، لم أرَ أرمينيا مجرد بلد يستعيد ذكرى مؤلمة، بل شعبًا يتمسك بهويته ويحافظ على ذاكرته، وينظر إلى المستقبل دون أن يتخلى عن ماضيه. وهي قيمة تستحق التأمل؛ فالأمم القوية ليست تلك التي تنسى تاريخها، وإنما التي تستوعب دروسه وتحول تجاربها إلى دافع للبناء والاستمرار.

جيرموك.. حين تتحول الطبيعة إلى رسالة سلام

من الأماكن التي تركت في نفسي انطباعًا خاصًا مدينة جيرموك، بما تتمتع به من طبيعة خلابة وهواء نقي وينابيع معدنية، فضلًا عن مشاهد الجبال وألوان الأشجار وحركة المياه التي تمنح المكان هدوءًا استثنائيًا.

جيرموك ليست مجرد وجهة للاستجمام، بل مثال على ما يمكن أن تحققه السياحة الطبيعية والعلاجية من فرص اقتصادية وتنموية، إذا جرى استثمار مقوماتها بصورة متوازنة تحافظ على البيئة وتمنح المجتمعات المحلية فرصًا حقيقية للنمو.

وقد أتاحت لي زيارتها اكتشاف جانب آخر من أرمينيا، يتجاوز الصورة السياسية والتاريخية إلى بلد يمتلك مقومات سياحية متنوعة تستحق التعريف بها عربيًا، خصوصًا في ظل تنامي الاهتمام بالسياحة الثقافية والطبيعية والعلاجية.

وهنا تبرز فرصة مهمة لتعزيز حركة السياحة بين مصر وأرمينيا، من خلال الترويج المتبادل للمقاصد السياحية، وتصميم برامج تجمع بين الطبيعة والتاريخ والثقافة، بما يمنح السائح تجربة أكثر تنوعًا ويعزز التواصل بين الشعبين.

الكاسكاد.. حين يصبح الفن جزءًا من هوية المدينة

أما الكاسكاد في العاصمة الأرمينية يريفان، فهو من الأماكن التي يصعب المرور بها دون التوقف للتأمل. فهذا المعلم المعماري، بما يضمه من سلالم وحدائق ومنحوتات وأعمال فنية، يقدم تجربة تجمع بين العمارة والفن والفضاء العام، ويكشف كيف يمكن للثقافة أن تصبح جزءًا حيًا من حياة المدينة.

في الكاسكاد، لا يشعر الزائر بأنه أمام معلم سياحي تقليدي فحسب، بل داخل مساحة مفتوحة يلتقي فيها الفنانون والزوار وأبناء المدينة، وتتحول فيها الثقافة إلى لغة مشتركة تتجاوز اختلاف اللغات.

وقد دفعتني هذه التجربة إلى التفكير في أهمية تطوير المساحات الثقافية المفتوحة في المدن المصرية، وربط السياحة بالفنون والإبداع، بحيث لا تقتصر زيارة المدن على المعالم الأثرية وحدها، بل تمتد إلى اكتشاف الحياة اليومية والهوية البصرية والروح الثقافية لكل مكان.

فالثقافة ليست ترفًا، وإنما أحد مصادر القوة الناعمة، وجسر مهم لتقريب الشعوب وتعزيز التفاهم بينها.

مصر وأرمينيا.. علاقات تاريخية تستحق مستقبلًا أوسع

العلاقات المصرية الأرمينية ليست وليدة اللحظة، بل تستند إلى تاريخ طويل من التواصل الإنساني والثقافي، وإلى الحضور المميز للجالية الأرمينية في مصر، التي أسهم أبناؤها في مجالات عديدة، من الاقتصاد والصناعة إلى الفنون والثقافة والحياة العامة.

وقد شكلت مصر عبر تاريخها الحديث وطنًا احتضن أجيالًا من الأرمن، الذين شاركوا بدورهم في إثراء المجتمع المصري. وهذا الامتداد الإنساني يمنح العلاقات بين البلدين بُعدًا يتجاوز الحسابات السياسية والمصالح الاقتصادية المباشرة.

وعلى المستوى الرسمي، أقامت مصر وأرمينيا علاقاتهما الدبلوماسية في 9 مارس 1992، وحرص البلدان على تطوير التعاون في مجالات التجارة والثقافة والسياحة والتعليم وغيرها.

كما مثلت زيارة الرئيس عبد الفتاح السيسي إلى أرمينيا في يناير 2023 محطة مهمة في مسار العلاقات الثنائية، وعكست الرغبة المشتركة في توسيع مجالات التعاون وفتح آفاق جديدة للشراكة.

إن ما يجمع القاهرة ويريفان ليس مجرد علاقات دبلوماسية مستقرة، بل فرصة لبناء نموذج عملي للتعاون بين دولتين تمتلك كل منهما مقومات وخبرات يمكن أن تكمل الأخرى، بما يحقق مصالح مشتركة ويفتح مجالات جديدة للتواصل والتبادل.

الاستثمار.. من رصيد التاريخ إلى فرص الاقتصاد

إذا كان التاريخ قد منح العلاقات المصرية الأرمينية أساسًا متينًا، فإن الاقتصاد يستطيع أن يمنحها مستقبلًا أكثر اتساعًا.

فهناك فرص واعدة للتعاون في الصناعة والتجارة والسياحة وتكنولوجيا المعلومات والاتصالات والزراعة والصناعات الغذائية والدوائية والطاقة المتجددة.

وفي ديسمبر 2025، شهدت القاهرة أعمال الدورة السادسة للجنة المصرية الأرمينية المشتركة للتعاون الاقتصادي والعلمي والفني، وتوقيع بروتوكول يستهدف توسيع التعاون في التجارة والاستثمار والصناعة والمشروعات الصغيرة والمتوسطة والطاقة والثقافة، مع بحث فرص التعاون في منطقة قناة السويس، إلى جانب التكنولوجيا والتعليم العالي والرعاية الصحية.

وتعكس هذه الخطوات وجود أرضية مؤسسية يمكن البناء عليها لتحويل العلاقات التاريخية إلى مشروعات عملية ومصالح اقتصادية مشتركة.

ومن وجهة نظري، هناك خمسة مسارات تستحق اهتمامًا أكبر خلال المرحلة المقبلة:

أولًا: الصناعة والاستثمار المشترك. يمكن تشجيع الشركات الأرمينية على إقامة مشروعات إنتاجية في مصر، والاستفادة من حجم السوق المصرية وموقعها الجغرافي واتصالها بالأسواق العربية والأفريقية، مع دراسة فرص التعاون في الصناعات الدوائية والغذائية والمنسوجات والصناعات الخفيفة.

ثانيًا: التكنولوجيا والاقتصاد الرقمي. يمثل هذا القطاع مجالًا واعدًا للتعاون في البرمجيات والذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني والخدمات الرقمية، بما يتيح تبادل الخبرات وخلق فرص عمل للشباب، ويفتح المجال أمام الشركات الناشئة في البلدين لتطوير مشروعات مشتركة.

ثالثًا: السياحة والثقافة. يمكن زيادة الرحلات السياحية المتبادلة، وتطوير برامج تجمع بين السياحة الثقافية والتاريخية والطبيعية، والترويج للمقاصد الأرمينية لدى الجمهور المصري، بالتوازي مع التعريف بالمقومات السياحية المصرية في أرمينيا.

رابعًا: الزراعة والصناعات الغذائية. يتيح تبادل الخبرات وتوسيع حركة المنتجات الزراعية والغذائية فرصًا لدعم المنتجين والمصدرين في البلدين، وتطوير علاقات تجارية تحقق منافع متبادلة.

خامسًا: منطقة قناة السويس والخدمات اللوجستية. يمكن أن تمثل المنطقة بوابة للشركات الأرمينية الراغبة في التوسع بالأسواق الإقليمية، من خلال فرص التصنيع والخدمات والتخزين والتصدير، وفقًا للإمكانات المتاحة والأطر التنظيمية المعمول بها.

لكن تحويل هذه الفرص إلى نتائج ملموسة لا يتوقف على توقيع الاتفاقيات وحدها، بل يتطلب تعريفًا متبادلًا بالأسواق، وتوفير معلومات واضحة للمستثمرين، وتنظيم لقاءات أعمال منتظمة، وتشجيع الشراكات بين القطاع الخاص، وتسهيل التواصل بين الغرف التجارية والمؤسسات الاقتصادية.

فالاتفاقيات تفتح الأبواب، لكن المستثمرين ورواد الأعمال والمبتكرين هم من يحولونها إلى مصانع وفرص عمل ومشروعات ناجحة.

الدبلوماسية الشعبية.. جسور تبنيها الثقافة والإعلام

أؤمن بأن العلاقات بين الدول لا تصنعها الحكومات وحدها، مهما كانت أهمية الاتفاقيات والزيارات الرسمية. فهناك مساحة واسعة تستطيع الصحافة والثقافة والجامعات ومؤسسات المجتمع المدني والشباب أن تؤدي فيها دورًا مؤثرًا.

ومن هنا تأتي أهمية تعزيز التبادل الثقافي والإعلامي بين مصر وأرمينيا، وتنظيم زيارات للصحفيين والباحثين والشباب، وإقامة أسابيع ثقافية ومعارض فنية وبرامج سياحية مشتركة، إلى جانب دعم الترجمة والتعريف بالأدب والفنون والتاريخ في البلدين.

فمعرفة المصريين بأرمينيا لا ينبغي أن تظل محصورة في دوائر محدودة، كما أن التعريف بمصر في أرمينيا يجب ألا يتوقف عند آثارها القديمة وشواطئها، بل يمتد إلى مجتمعها وثقافتها المعاصرة وتجربتها الاقتصادية ومؤسساتها التعليمية.

ويمكن للجالية الأرمينية في مصر أن تؤدي دورًا مهمًا في هذا المسار، بحكم ما تمثله من جسر تاريخي وإنساني بين الشعبين. كما تستطيع الصحافة الإسهام في تصحيح الصور النمطية، وإبراز قصص النجاح، وتقديم فرص التعاون بصورة مهنية، بعيدًا عن الاكتفاء بالمجاملات الدبلوماسية أو التغطيات الموسمية.

إن الدبلوماسية الشعبية ليست بديلًا عن الدبلوماسية الرسمية، بل رافد يعززها، ويمنح العلاقات بين الدول عمقًا إنسانيًا واستمرارية تتجاوز حدود المناسبات السياسية.

أرمينيا التي أحببتها.. ومصر التي أتمنى لها شراكات أوسع

بعد ثلاث زيارات إلى أرمينيا، تبقى لدي قناعة بأن حب البلدان لا يرتبط بجمال الطبيعة وحده، ولا بعدد المعالم التي نزورها، بل بما تتركه التجربة في داخلنا من أسئلة وأفكار ومشاعر.

أحببت أرمينيا في جيرموك، حيث تمنح الطبيعة الإنسان فرصة لاستعادة هدوئه. وأحببتها في الكاسكاد، حيث يصبح الفن جزءًا من حياة المدينة. وتأثرت بها خلال ذكرى المئوية للإبادة الجماعية للأرمن، حين تجلت أمامي أهمية الذاكرة الإنسانية وحق الشعوب في الاحتفاظ بحكاياتها.

لكن هذا الحب، في نظري، لا يكتمل بمجرد الحنين إلى الأماكن، بل يتحول إلى رغبة في أن تتعرف شعوبنا إلى بعضها بصورة أعمق، وأن تتحول الصداقة التاريخية إلى مصالح اقتصادية مشتركة، وفرص حقيقية للشباب، وتعاون ثقافي وعلمي مستدام.

تمتلك مصر وأرمينيا رصيدًا مهمًا من التاريخ والثقة والتواصل الإنساني، وما تحتاجان إليه اليوم هو المزيد من العمل لتحويل هذا الرصيد إلى نتائج ملموسة يشعر بها المواطن والمستثمر والباحث والسائح.

أرمينيا التي أحببتها ليست مجرد ذكرى لثلاث رحلات، بل فكرة أؤمن بها: أن الشعوب التي تتعارف تستطيع أن تتعاون، وأن الدول التي تحترم تاريخها تستطيع أن تصنع مستقبلها، وأن الصداقة الحقيقية بين الأمم لا تكتمل إلا عندما تتحول إلى فرص للحياة والعمل والتنمية.

من يريفان إلى القاهرة، تبقى الحكاية مفتوحة على مستقبل أوسع، عنوانه الصداقة، وطريقه المعرفة، وهدفه شراكة تصنع الخير للشعبين.

حازم الملاح

رئيس لجنة الصحافة والاتصال بحزب الوعي، وصحفي وعضو بنقابة الصحفيين واتحاد الصحفيين العرب. يتمتع بخبرة في العمل الأهلي والقطاع الحكومي، وعضو بالمجلس الأعلى للثقافة «لجنة الشباب»، ونائب رئيس مجلس أمناء مدارس القومية بالعجوزة. عمل بوزارة التضامن الاجتماعي خلال الفترة من 2016 إلى 2022، وكان مسؤولًا عن برنامج «أطفال بلا مأوى».

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

احدث التعليقات

الأكثر قراءة