تواصل الكلية الجوية تطوير منظومة إعداد الطيارين والكوادر الجوية بالقوات المسلحة، بالتزامن مع تخريج دفعة جديدة، من خلال تحديث المناهج الدراسية، والارتقاء ببرامج التدريب، والتوسع في استخدام المحاكيات المتخصصة لمواكبة التطور المتسارع في تكنولوجيا الطيران وأنظمة التسليح الحديثة.
وتعتمد منظومة التأهيل على التكامل بين الدراسة العلمية والإعداد العسكري والتخصصي، مع الاهتمام بالجوانب البدنية والصحية والذهنية للطلاب، بهدف إعداد طيار يمتلك القدرة على تحمل المسؤولية، والتعامل مع المواقف المختلفة، واتخاذ القرار المناسب في الوقت الصحيح.
واستعرض اللواء طيار أركان حرب وليد محمد عبد السلام، نائب مدير الأكاديمية العسكرية المصرية للكلية الجوية، تاريخ الكلية ومراحل تطورها، وأسس منظومتها التعليمية والتدريبية، ومعايير اختيار الطلاب وتأهيلهم للطيران، ودور المحاكيات والتدريب العملي في إعداد كوادر جوية قادرة على التعامل مع التطورات التكنولوجية المتلاحقة.
من مدرسة ألماظة إلى منظومة تعليمية متطورة
أكد عبد السلام أن الكلية الجوية تعد من أعرق الكليات العسكرية في الشرق الأوسط وأفريقيا، وتعود جذور نشأتها إلى عام 1936، عندما أُنشئت مدرسة للطيران في قاعدة ألماظة الجوية، قبل أن تمر بمراحل متتابعة من التطوير والتوسع في مجالات التدريب والتأهيل.
وأوضح أن البدايات الأولى للتدريب الجوي شهدت التعاقد مع الجانب البريطاني على طائرات تدريب، من بينها «تايجر موث» و«أفرو»، ثم تطورت منظومة التعليم الجوي وتغيرت أسماء المؤسسة ومقارها عبر السنوات، حتى وصلت إلى صورتها الحالية ضمن الأكاديمية العسكرية المصرية.
وأشار إلى أن الكلية الجوية اضطلعت بدور مهم على مدار تاريخها في إعداد الطيارين والكوادر الجوية للقوات المسلحة، لافتًا إلى أن خبراتها المتراكمة في التدريب جعلتها وجهة لدول صديقة وشقيقة توفد طلابها للتدريب بها والحصول على شهادات من الكلية.
3 محاور رئيسية لإعداد طالب القوات الجوية
وأوضح نائب مدير الأكاديمية العسكرية المصرية للكلية الجوية أن تخريج الدفعة الأولى من الأكاديمية العسكرية المصرية، التي تضم الدفعة رقم 92 للكلية الجوية، يعكس استمرار جهود تطوير منظومة الإعداد والتأهيل لمواكبة المتغيرات التكنولوجية المتسارعة في مجال الطيران.
وأشار إلى أن إعداد الطلاب يقوم على ثلاثة محاور رئيسية، أولها المحور العلمي، الذي يتضمن بروتوكول تعاون مع جامعة الزقازيق يتيح منح الطلاب مؤهلات مدنية إلى جانب التأهيل العسكري والتخصصي.
وأضاف أن طلاب القسم العلمي يحصلون على بكالوريوس في الحاسبات والمعلومات، بتخصصات مرتبطة بحاسبات ومعلومات الطيران وإدارة الطيران، في حين يحصل طلاب القسم الأدبي على بكالوريوس إدارة الأعمال، بتخصص إدارة أعمال الطيران والمطارات، وفقًا للبرامج الدراسية المعتمدة.
ويتمثل المحور الثاني في الإعداد العسكري، الذي يبدأ بفترة إعداد أساسية مدتها 90 يومًا، ويستمر طوال سنوات الدراسة الأربع، بهدف ترسيخ الانضباط وبناء شخصية عسكرية قادرة على تحمل المسؤولية واتخاذ القرار.
أما المحور الثالث، فيركز على التأهيل التخصصي، ويشمل علوم الطيران والعلوم العسكرية الجوية، مع تطوير البرامج التدريبية بما يتوافق مع الطائرات والمعدات الحديثة التي تنضم إلى القوات الجوية.
وأكد عبد السلام أن التكامل بين المحاور الثلاثة يستهدف تخريج ضابط يمتلك قاعدة علمية قوية، وتأهيلًا عسكريًا مناسبًا، ومهارات تخصصية تؤهله للتعامل بكفاءة مع متطلبات العمل الجوي.
محاكيات متخصصة لتدريب الطلاب على المواقف المختلفة
وفي إطار تطوير التدريب، أوضح عبد السلام أن الكلية شهدت تطورًا في برامج التدريب على الطيران، من خلال الاستعانة بمحاكيات تحاكي ظروف العمل الفعلية، وتتيح للطلاب التدريب على سيناريوهات متنوعة قبل الانتقال إلى التعامل مع الطائرات والمعدات خلال التدريب العملي.
وأشار إلى أن منظومة التدريب تضم محاكيات متخصصة للمراقبة الجوية، وأخرى للتوجيه والاقتراب الراداري، بما يوفر بيئة تدريبية تحاكي الواقع، ويساعد الطلاب على اكتساب الخبرة في التعامل مع المواقف المختلفة.
وأضاف أن المحاكيات تسهم في رفع الكفاءة العلمية والعملية للطلاب، وتنمية قدرتهم على تقييم المواقف بسرعة واختيار القرارات المناسبة، إلى جانب إعداد مشروعات بحثية مرتبطة بتخصصاتهم في نهاية سنوات الدراسة.
ولفت إلى أن إعداد الطالب لا يقتصر على الجوانب العلمية والعسكرية، بل يشمل أيضًا الجوانب البدنية والصحية والثقافية والوجدانية، من خلال برامج متخصصة ولقاءات توعوية تتناول قضايا سياسية واقتصادية واجتماعية ودينية، بما يساعد على بناء شخصية متكاملة قادرة على أداء مهامها بكفاءة.

الفحوص الطبية تحدد ملاءمة الطلاب للطيران
وأوضح نائب مدير الأكاديمية العسكرية المصرية للكلية الجوية أن اختيار الطلاب للعمل في مجال الطيران يخضع لمعايير طبية متخصصة، تبدأ بالفحوص المقررة ضمن إجراءات القبول بالكليات العسكرية، ثم ينتقل الطالب الذي يجتازها إلى المجلس الطبي الجوي لتقييم مدى ملاءمته لهذا المجال.
وأكد أن التقييم لا يعتمد على القوة البدنية فقط، وإنما يشمل الحالة الصحية العامة، والقدرة على تحمل الظروف الفسيولوجية المرتبطة بالطيران، فضلًا عن القدرات الذهنية وسرعة الاستجابة والانتباه والقدرة على التعامل مع الأجهزة الحديثة.
وأضاف أن الطلاب يُصنفون وفق مستويات اللياقة الطبية المعتمدة للتخصصات المختلفة، ومنها الطيران المقاتل والهليكوبتر والتخصصات الجوية الأخرى، مشددًا على أن المتابعة الطبية والتقييم يستمران خلال الدراسة والتدريب العملي ولا يقتصران على مرحلة القبول.
وأشار إلى أن اجتياز الفحوص الطبية لا يعني بالضرورة امتلاك جميع المهارات اللازمة للطيران المقاتل، إذ تكشف مراحل التدريب العملي عن بعض القدرات بصورة أوضح، ما يستدعي المتابعة المستمرة لتحديد التخصص الذي يستطيع كل طالب تحقيق أفضل أداء فيه.
الطيران المنفرد محطة لتقييم قدرات الطالب
وفيما يتعلق بالتدريب العملي، أوضح عبد السلام أن الطلاب يكتسبون خبراتهم في التعامل مع الطائرات عبر مراحل متتابعة من التدريب والتقييم، وصولًا إلى اختبار الطيران المنفرد الذي يقيس مدى قدرة الطالب على قيادة الطائرة بمفرده وفق متطلبات التدريب.
وأضاف أن هذه المراحل تستهدف التأكد من قدرة الطالب على تطبيق المعارف التي اكتسبها، والتعامل مع المهام المتعددة، وتحمل المسؤولية واتخاذ القرارات في التوقيت المناسب.
وشدد على أن التدريب يرسخ قيم الالتزام والدقة والإخلاص في أداء المهام، موضحًا أن طبيعة الطيران تفرض مستوى مرتفعًا من المسؤولية، نظرًا إلى المخاطر التي قد تنجم عن الأخطاء، وهو ما يجعل الانضباط ركيزة أساسية في بناء شخصية الطيار.
وأكد أن كفاءة الطيار لا ترتبط بنوع الطائرة التي يقودها وحده، بل تتأثر بمستوى التدريب والخبرة ومدى قدرته على استغلال إمكانات الطائرة، مشيرًا إلى أهمية العنصر البشري في التعامل مع الاختلافات التكنولوجية بين الطائرات.
وأضاف أن التدريب المستمر والإعداد الجيد يساعدان على تطوير مهارات الطيارين، وتعزيز قدرتهم على التعامل مع المواقف المختلفة ومواكبة التطور في أنظمة الطيران والتسليح.
وأوضح أن الطائرات المقاتلة والطائرات المسيّرة تؤدي أدوارًا ضمن منظومة العمل الجوي، وأن تطوير القدرات الجوية يتطلب التكامل بين العنصر البشري والتكنولوجيا والتدريب المتخصص، وفقًا لاحتياجات القوات الجوية.
تطوير التعليم لبناء كوادر جوية للمستقبل
واختتم اللواء طيار أركان حرب وليد محمد عبد السلام بالتأكيد أن تطوير منظومة التعليم والتدريب بالكلية الجوية يستهدف إعداد ضابط يجمع بين المعرفة العلمية والمهارة العملية والقدرة على اتخاذ القرار، إلى جانب الالتزام والانضباط والإخلاص في أداء الواجب الوطني.
وأشار إلى أن هذه المنظومة تسهم في تعزيز كفاءة الكوادر الجوية، ورفع قدرتها على التعامل مع التطورات المتسارعة في مجالات الطيران والتكنولوجيا الحديثة، بما يواكب متطلبات العمل بالقوات الجوية في المستقبل.
