
هنأ الدكتور أحمد الطيب، شيخ الأزهر الشريف، الرئيس عبد الفتاح السيسي، رئيس الجمهورية، والشعب المصري العظيم، بذكرى مولد خير الناس وأرحمهم، سيدنا محمد -صلى الله عليه وسلم-، كما تقدم بالتهنئة للأمة العربية والإسلامية، ملوكاً ورؤساء وحكاماً وشعوباً، وكل محب لهذا النبي العظيم، وذلك خلال كلمته في الاحتفال بذكرى المولد النبوي الشريف بالعاصمة الجديدة، بحضور الرئيس السيسي .
وأكد شيخ الأزهر أن العالم المعاصر -شرقاً وغرباً- لا يزال يعشو إلى ضوء مصباح النبي الذي أشرق على الوجود فأضاءه بعد ليل طويل حالك الظلمات، مشيراً إلى أن العالم في ذلك الوقت كان في أمس الحاجة إلى ثقافة جديدة ونظام مختلف ينهي ثقافة الطغيان، ويحل محل النظم التي كانت تسند ظهرها إلى القوة والاستبداد وقرابة الدم ومنطق القبائل والعشائر، فشاء الله أن تأتي هذه الثقافة البديلة من جزيرة العرب لتكون في مبدأ التوحيد ولغة الوحي النبوي أساساً لوحدة العالم كله .
وأوضح شيخ الأزهر أن النور المحمدي ظهر والدنيا بأسرها تتقاسمها حضارتان متصارعتان، هما حضارة الأكاسرة في الشرق وحضارة القياصرة في الغرب، وكانت العلاقة بينهما تحكمها شرائع وأعراق رومانية تقول: “من جاورك فهو عدوك، تخضعه أو يخضعك، وتبدأ بحربه متى استطعت”، مضيفاً أن ما أشبه اليوم بالأمس، وما أشبه عالمنا المعاصر بعالم الأمس يوم بعث هذا النبي الكريم، بل ما أشد حاجة عالم اليوم إلى هدي محمد ﷺ لإنقاذه مما غرق فيه من حمأة العلل والأمراض النفسية والاجتماعية والآفات الخلقية، وما ركن إليه من سياسات القهر والظلم والبطش بالفقير والضعيف، وما خلفه كل ذلك من أزمات اقتصادية واضطرابات سياسية وتوترات وصراعات .
ولفت شيخ الأزهر إلى أن أخطر ما يواجه الإنسان في هذا العصر هو فقدان قيمة الرحمة والتراحم بين البشر، وهي قيمة اتصف الله بها، ومدح بها أنبياءه، وأتمها في النبي الخاتم، وعُدت من أخص خصائصه، وبها جاء ثناء الله تعالى في القرآن الكريم على خلق هذا الرسول، ووصفه بأنه خلق عظيم في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾، موضحاً أن عظمة أخلاقه -ﷺ- عظمة واسعة مطلقة لا تعرف الحدود ولا القيود، وقد وصفته السيدة عائشة -رضي الله عنها- حين سئلت عن خلقه فقالت: «كان خلقه القرآن»، مما يعني أنه كان يتصف بكل صفة حميدة ذكرت في القرآن الكريم، وأنه خلا من كل صفة ذميمة حذر منها القرآن .
وشدد فضيلة الإمام الأكبر على أن لنا فيما تعانيه البشرية اليوم من مسلسل الحروب والدماء والأشلاء، وهدم البيوت والمستشفيات على الأطفال والنساء والمرضى، وخلف الوعود ونقض العهود، لعبرة ومندوحة وسعة، مشيراً إلى صعوبة المقارنة بين بشاعة حروب القرن الواحد والعشرين، وعدالة الحروب التي كان يقودها صاحب هذه الذكرى العطرة، وقادها من بعده خلفاؤه وأنصاره، فهذه المقارنة هي من باب النقيضين اللذين لا يجتمعان .
وأشار شيخ الأزهر إلى أن الباعث على القتال في الإسلام ليس حمل الناس على اعتناق الدين، وإنما هو دفع العدوان ورده، مستشهداً بقوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾، وقوله: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾، مشيراً إلى أن النبي ﷺ نهاى رجلاً عن إكراه ابنه على الإسلام، وأن الخليفة عمر بن الخطاب اعتذر إلى الله خوفاً من أن يكون قد خرج على هذه الآية حين دعا امرأة غير مسلمة إلى الإسلام فأبت .
وبين شيخ الأزهر أنه إذا كان الباعث على القتال محصوراً في دفع الاعتداء، فإن الحرب تصبح في شريعة الإسلام وشرائع الأديان وشرائع الضمير الإنساني من باب الضرورات التي يجب تجنبها قدر الإمكان، وفي هذا المعنى يقول النبي ﷺ: «لا تتمنوا لقاء العدو، وسلوا الله العافية»، فإذا عزم المسلمون على الحرب فالواجب عليهم شرعاً ألا يبدؤوا قتال الأعداء قبل أن يخيروهم بين ثلاث: إما الإسلام، وإما معاهدة سلام، وإما القتال الذي يصبح اختياراً اضطرارياً لا مهرب منه، مستشهداً بوصية النبي ﷺ لمعاذ بن جبل: «لا تقاتلوهم حتى تدعوهم؛ فإن أبوا فلا تقاتلوهم حتى يبدأوكم»، وأشار إلى أن المالكية والأحناف ذهبوا إلى وجوب الانتظار ثلاثة أيام بعد دعوتهم للإسلام، وألا تبدأ المواجهة قبل اليوم الرابع .
وأضاف أن مما يقف له المتأمل في فقه هذه الشريعة إجلالاً وإكباراً ما تقرره في أحكامها من حرمة الإقدام على قتال من لم تبلغهم دعوة الإسلام، وحرمة المباغتة والأخذ على غرة قبل أن ينذروا ويدعوا إلى الإسلام دعوة كافية في التعريف به، أو يدعوا إلى معاهدة سلام، كما تحرم التعرض للنساء والأطفال والشيوخ والرهبان واللائذين بالكنائس والمعابد والجرحى والمرضى والزمنى والمجانين والمكفوفين والزراع، وكذلك تحرم قتل الدواب والحيوانات، إلا إذا ذبحت بنية الأكل، ويذهب ابن حزم إلى أبعد من ذلك في قوله: «لا يحل عقر شيء من حيواناتهم البتة»، كما يحرم التمثيل بجثث العدو، أخذاً من نهيه ﷺ عن ذلك وتحذيره من هذه الجريمة النكراء في قوله: «إياكم والمثلة»، ويقرر العلماء ثبوت حرمة التمثيل بجثث العدو، حتى لو أقدم العدو على التمثيل بجثث شهداء المسلمين .
وأكد شيخ الأزهر أن ما أشار إليه في كلمته ليس كل ما هنالك من فقه الحرب في شريعة الإسلام، فهناك الكثير من الأحكام التي تضبط مسيرة الجهاد في سبيل الله قبل القتال وأثناءه وبعد انتهائه، وبخاصة فقه المعاهدات، وفقه الأمان، وعقد الصلح، وأحكام الأسرى، وغير ذلك مما حفلت به تشريعات الإسلام، واستندت فيه إلى إعمال قيم الرحمة والعدل والإحسان .
واختتم شيخ الأزهر كلمته بأن المقابلة بين حروب الأمس وحروب اليوم ليست مقارنة بين حروب الإسلام وحروب حضارة القرن الواحد والعشرين، بقدر ما هي تعبير عن حاجة العالم اليوم إلى منقذ ينجيه من المزيد من الغرق في مجرة الظلمات، وأن هذا الطوق هو استذكار سيرة نبي الإنسانية في يوم مولده ﷺ، والاستضاءة بما أرسله الله به من القيم الإنسانية التي نصح بها أمته ومن ورائها سائر الأمم، وأودعها جوامع كلمه وحكمه في قوله -صلى الله عليه وسلم-: «تركتكم على المحجة البيضاء، ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا هالك».
